د.عثمان فكرى يكتب : رب ضارة نافعة
الأوضاع الأمنية فى سيناء بعد الثورة تعانى تدهورا لا مثيل له.. هذه حقيقة دامغة نعلمها جميعا، ويشهد عليها العديد من الحوادث التى وقعت طوال عام ونصف، ويكفى أن نذكر منها الخمسة عشر انفجارا التى وقعت فى أنابيب الغاز المتوجهة إلى الأردن وإسرائيل، فضلا عن حوادث الهجوم على كمائن الجيش والشرطة التى تتكرر يوميا، ويروح ضحيتها العديد من الشهداء والمصابين.. هناك أيضا حوادث الخطف للسائحين التى وقعت عدة مرات من جانب بعض البدو الراغبين فى الإفراج عن ذويهم من تجار المخدرات والسلاح.. وحوادث قطع الطرق الدولية، والهجوم على سيارات نقل الأموال، والاستيلاء على رواتب الموظفين.. أضف
إلى ذلك كله ما كانت أجهزة الأمن تنجح فى ضبطه من كميات هائلة من الأسلحة الخفيفة والثقيلة المهربة من ليبيا باتجاه سيناء.. وقبل كل ذلك تأتى مصيبة المصائب، وهى الأنفاق الحدودية بين مصر وغزة، والتى يتراوح عددها وفقا لتقديرات غير رسمية ما يقرب من مائة نفق، تستخدم جميعها فى تهريب الأسلحة ودخول الإرهابيين، وهروب المتسللين من مصر، وغيرها من الأعمال التى يجرمها القانون، ولم تتمكن أجهزة الأمن طوال سنوات سابقة من إغلاقها وهدمها، خاصة أنها تمثل دخلا ماليا كبيرا لأصحابها من العائلات البدوية الكبيرة.. هذا باختصار هو ملخص الأوضاع الأمنية فى سيناء .. وطوال الشهور الماضية كانت الأجهزة الأمنية تفضل الطرق الدبلوماسية فى علاج المشاكل والاضطرابات المختلفة هناك حتى لا تتفاقم الأوضاع إلى ما هو أسوأ، خاصة مع توافر السلاح بكل أشكاله وأنواعه بغزارة كبيرة مع الجميع.. أما الآن وبعد هذه الحادثة المروعة، باتت الفرصة سانحة أمام مصر الدولة لتستعيد هيبتها من جديد ليس فى سيناء فقط بل فى ربوع مصر جميعها، بحيث تصبح سيناء هى البداية الحقيقية لهذا النهج الجديد فى التعامل مع الإرهابيين والمجرمين وقطاع الطرق والبلطجية .. على أجهزة الأمن أن تستثمر هذا الحادث الأليم بشكل كبير ينهى على الانفلات الأمنى فى مصر، ويضع كلا فى مكانه الصحيح، وبحجمه الحقيقى، .. الأنفاق يجب أن يتم هدمها وإغلاقها تماما.. الأسلحة المنتشرة مع الجميع يجب أن يتم جمعها وبأقصى سرعة ممكنة، وبحملات مكبرة لقوات الجيش والشرطة معا.. آفة مصر الكبرى الآن هو انتشار السلاح فى يد الجميع.. لا أستسيغ هذا التهاون الواضح من قيادات الداخلية فى مصر فى التعامل مع هذا الأمر.. أتذكر جيدا وأنا من أهل الصعيد أن الحملات الأمنية للتفتيش عن الأسلحة لم تكن تتوقف، وكانت تداهم المنازل ليلا ونهارا لتفتش الجميع رجالا ونساء وأطفالا بحثا عن بندقية خرطوش.. والآن الأسلحة الآلية تملأ المنازل بحيث صارت لعبة فى يد الجميع يستخدمها كيفما شاء.. حتى تجرأ الصغير والكبير على رجال الأمن، وبادرهم وبادلهم إطلاق الرصاص .. التسامح مع قاطعى الطرق والسكك الحديدية أيا كانت مطالبهم يجب أن ينتهى، وأن يتعامل الجميع وفقا للقانون.
القضاء على الانفلات الأمنى ليس مستحيلا، بل هو مسألة يسهل تحقيقها فى غضون عدة أسابيع إذا صدقت النوايا، واتخذت الإجراءات السليمة، وتحمل المجتمع التضحيات المبذولة من أجلها.



