د. محمود العلايلى يكتب : أنت لا تخطو فى النهر مرتين
أحلام شابة متوثبة حركت مجموعات من الشباب للتعبير عن رغبتهم فى تغيير مصر يوم ٢٥ يناير ٢٠١١، وبعد ١١ فبراير طالع الجميع المستقبل الجديد مع حلم داخل كل منا أننا لن نعيد إنتاج ما مر بنا فى السابق مرة أخرى، إعمالا للحكمة الصينية الشهيرة التى تعنى أنه مادام أن النهر يجرى فإنك لن تمس نفس المياه أكثر من مرة أبداً.
فبعد ستين عاماً من حكم عسكرى ويدعى المدنية، حكم دكتاتورى ويدعى الديمقراطية، حكم شمولى مثله الاتحاد القومى ثم الاتحاد الاشتراكى مروراً بحزب مصر وصولاً إلى الحزب الوطنى وحكم فئوى من مجلس قيادة الثورة وقت عبدالناصر، إلى منتفعى الانفتاح فى عهد السادات، إلى معية جمال أيام حسنى مبارك، ولكن بما أننا لا نخطو فى النهر مرتين، فانظروا ما أصبحنا فيه!، نحن الآن تحت حكم يسيطر عليه المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى خلفيته ويدعى المدنية!، ثم إن ديكتاتورية الحاكم تحاول تعطيل أجهزة القضاء والاستئثار بالدستور مع ادعاء الديمقراطية أيضاً!، ثم لقد تغير اسم الحزب الحاكم الأوحد إلى حزب الحرية والعدالة الذى يعتمد مبدأ الاستحواذ والمغالبة ولكنه يدعى المشاركة دائماً، والأهم من ذلك هو الحكم الفئوى الذى انتقل من كل الفئات السابقة إلى جماعة الإخوان المسلمين!
أما التغيرات فيما يخص الشأن القبطى، فبعد حوادث الخانكة والزاوية الحمرا والكشح الأولى والثانية ودير أبوفانا، ثم حادث نجع حمادى وتفجير كنيسة القديسين قبل يناير، إلى حرق كنيسة أطفيح وأحداث إمبابة الدموية، ثم حرق وهدم كنيسة المريناب، ثم الحدث الأسوأ على الإطلاق بدهس المسيحيين فى ماسبيرو، إلى أحداث العامرية وتهجير بعض الأسر، ومعالجة كل هذه الأحداث بالطريقة التقليدية نفسها والجلسات العرفية والقبلات والتمليس على اللحى دون إعمال القانون بشكل حقيقى، مما أدى بنا إلى كارثة دهشور الأخيرة، والتهجير القسرى الجماعى بتوجيهات أمنية بسبب خلافات يومية تتحول إلى خلاف طائفى دون سبب منطقى مفهوم، ورد فعل من مؤسسة الرئاسة لا يختلف بأى حال عن ردود أفعال مبارك أو سلفه السادات!!
أما التغيير المهم أيضاً فهو الإفراج عن قتلة السادات وشيماء ورجال الشرطة والسياح وبعض الإرهابيين الدوليين لأسباب غير مفهومة، غير رد الفضل لمن وقف إلى جوار من هم فى السلطة أو اعتراف من عفا عنهم بصحة موقفهم فى القضايا المحبوسين على ذمتها وإعطائنا انطباعاً بأنهم كانوا محبوسين ظلماً أو الأسوأ هو إعداد هؤلاء لما هو قادم من أعمال!
وبينما راودتنى بعض هذه التساؤلات، هل توقف النهر عن الجريان؟ أم نحن الذين نختار أن نخطو فى المنطقة الراكدة منه! وهل كان حلم الشباب ساعتها هذه الأنواع من التغيير!، تغيير وجوه بوجوه؟! ضباط بضباط وأحزاب بأحزاب؟ فإذا بى أفيق على أربع سيارات نقل كبيرة محمَّلة بالغسالات والثلاجات خارجة من أحد المخازن بمنطقة السادس من أكتوبر وعلى السيارات ملصقات دعاية د.مرسى التى تنادى بمشروع «النهضة»، ففرحت بعودة الإنتاج الصناعى بهذا الشكل المبشر فدققت النظر فى الصناديق وقرأت أن هذه المنتجات صناعة تركية!! فعرفت ساعتها أن التغيير الحقيقى الذى بدأ هو «نهضة تركيا»!!



