شريف رزق يكتب : فكر الغنائم
يقول ستيفان شيجال إن آجلاً أو عاجلاً سوف ينسى الرجل ذو الوجهين أيهما وجهه الحقيقى، لكن الكارثة الكبرى ألا يدرك الشعب ما هو الوجه الحقيقى لرأس الدولة. فالدولة المصرية إبان عهد الرئيس السابق تحدثت عن الديمقراطية وسط انتخابات مزورة وتعليم ردىء ومستوى متدنٍ للخدمات الصحية وانتشار الرشوة، ثم جاءت وعود الرئيس الحالى بإقامة نهضة! وما نراه اليوم لا يبشر بأى نهضة. ونتأمل حثيثاً فى فكرة النهضة، وهى بالأساس مرتبطة بفكرة النهوض من حالة السبات أو السكون، ونجد أن مشروع النهضة المزعوم ليس له معالم واضحة وما هو إلا بعض الجمل الإنشائية التى تصلح فقط لموضوع تعبير فى فصل مدرسة ابتدائية لمعلم لغة عربية ضعيف المستوى. وحين قامت النهضة فى أوروبا قامت على أسس التفكير العلمى. وكانت نهضة فى كل مناحى الحياة: العلم والمعرفة والفنون، والفكر العلمى يعتمد المنطق والمعرفة والبحث العلمى كأسس للتقدم وما نراه اليوم فى الواقع المصرى الحالى وما يسمى مشروع النهضة ما هو إلا وهم مؤسس على الفكر الخطابى والحملات الشعبية، فالقمامة فى العالم كله ليست مسؤولية الشعب، وتلك هى حلول لا ترقى إلى مستوى الدولة، قد يقوم بذلك شيخ حارة أو مسؤول فى حى، وإنما لدول تؤسس على فكر استراتيجى، يوجد شىء يسمى إدارة النفايات والقمامة، ويستفيد العالم من القمامة فى عملية إعادة التدوير وهى صناعة كبيرة، وتدر البلايين على الحكومات، ولو سافرت لأقرب دولة أوروبية لوجدت مقالب القمامة التى فى الشارع مقسمة لمقالب مخصصة للمعادن وأخرى لبقايا الطعام، ومن ثم يسهل تصنيفها والاستفادة منها، لكن المأساة فى مصر أننا نحاول دائماً إيجاد حلول آنية لا تؤتى بثمر، وهى حلول هشة، لن تفيد أو تنفع. هى حلول تبدو جميلة، لكنها تفتقر إلى المنطق والتأثير الدائم. النهضة أساسا تنطلق من مسلمات غير متوفرة فى ظل المناخ الحالى، فى ظل المناخ الدهشورى، فأزمة دهشور أزمة ثقافية، فثقافة القبيلة تتحكم فى تصرفاتنا، فوجود مشكلة بين أى فردين أمر حتمى، وعدم القدرة على التواصل أمر واضح داخل الثقافة المصرية، أما أن تتحول تلك الخناقة إلى خناقة بين المسيحيين والمسلمين، فلابد أن لدينا خللاً واضحاً فى فهمنا للأمور. هذا الخلل الثقافى، هذا الفكر القبلى هو ما يجب اقتلاعه من الجذور. فكرة أنا وأخويا على ابن عمى وأنا ابن عمى على الغريب تهدم فكرة العدالة وسيادة القانون، وهذا فكر متغلغل فى جذور مجتمع يعانى من شيزوفرينيا متأصلة ومتجذرة، ولا أظن سوف نستطيع فعل أى شىء فى ظل مناخ سياسى يؤسس لفكر يبعث على اقتسام الغنائم وليس بناء الوطن. كيف يقتلع من الجذور؟ فكرة المواطنة هى الملجأ الوحيد، وتترسخ فكرة المواطنة فى العقل والقلب حين يصبح كل المواطنين سواء. ونظرة بسيطة على كيف يؤمن عليك صحياً فى بلد مثل فرنسا، فكل المواطنين يستمتعون بنفس نظام التأمين الصحى مهما اختلف الدخل، توجد أزمة مواطنة حقيقية فى مصر، على مستوى المسيحى والمسلم والبهائى وعلى مستوى الغنى والفقير والمعدم، مستوى التعليم المتدنى فى المدارس والجامعات المصرية مقارنة بالمدارس والجامعات الخاصة، ألم تحن الساعة حتى يستمتع جميع المواطنين بنفس المزايا والحقوق؟! سؤال لن نستطيع الإجابة عنه. sherifaq@gmail.com



