د.خالد شوكات *يكتب :رسالة الخواجة عبد القادر
أفرغ شهر رمضان المبارك من محتواه الروحي منذ زمن طويل، و قد أضحى مع ظهور الفضائيات شهر الشهوات و المسلسلات، بدل أن يكون شهر التعفف و الاكتفاء و الطاعات، إلا أن الأمر لا يخلو من مفاجآت، فجاء هذه السنة متزامنا مع وصول الإسلام السياسي إلى السلطة في أكثر من بلد عربي، و مناسبة لمشاهدة عمل درامي عربي لا تجود به عبقرية صناع التلفزيون في بلادنا إلا مرة كل عشر سنوات.
و لئن تعود نقاد الدراما التلفزيونية العربية على ظهور أعمال متميزة متفردة في نكهتها و بنائها من بطولة الفنان الكبير يحيى الفخراني، من قبيل "ليالي الحلمية" و "زيزينيا" و "نصف ربيع الآخر" و "للعدالة وجوه كثيرة" و "الليل و آخره" و غيرها، إلا أنهم لا ريب سيعتبرون أن "الخواجة عبد القادر" مسلسله لهذا العام، الذي تبثه قناة "إم بي سي"، سيكون معلقته التي ستكتب بماء الذهب و ستعلق في جوف كعبة الشاشة العربية الصغيرة لتكون علامة بارزة و مرجعا لكتاب الدراما و أبطالها على السواء.
لقد سنح لي القدر سنة 2002 للتعرف عن قرب على الفنان القدير أو الطبيب النفسي الدكتور يحيى الفخراني، فخلال إحدى زياراتي للقاهرة، تشرفت بدعوة منه للغداء و لمشاهدة عرض مسرحيته "الملك ليير"، أما الغداء فمكنني من اكتشاف الإنسان يحيى الفخراني الذي ما يزال متشبثا بالعيش وسط الناس في شقة عادية في حي العباسية لاعتقاده أن الناس هم بحر الفنان، إن أخرج منه مات، و أما العرض المسرحي فقد كشف لي الحجاب عن الفنان يحيى الفخراني مرهف الحس و المتشبث دائما بالغوص في النفس البشرية و بيان تجلياتها و مقاماتها و نقاط الضعف و القوة فيها، و ليس عمل "الخواجة عبد القادر" إلا دليلا إضافيا يقدمه هذا الرجل على التحام الإنسان و الفنان فيه.
و حتى لا نظلم صاحب النص الكاتب الرائع عبد الرحيم كمال، أقول أنه لا شك عندي في أن "الخواجة عبد القادر" كان بالنسبة لهذا المبدع ثمرة طيبة لبذر و زراعة و حصاد دام سنين، و هو درس لطلبة السيناريو في بناء درامي و حوار و اجتهاد فني أقرب ما يمكن للكمال، غير أنني على ثقة أيضا بأن المسلسل كان مشروع عمل عظيم جمعه بيحيى الفخراني، الذي كدأب كبار الفنانين في العالم، لا يتميزون بحسن الأداء فحسب بل بعبقرية اختيار النصوص، و مثالنا الأبرز على ذلك سيدة الغناء العربي أم كلثوم التي كان اختيارها لقصيدة أو لحن بمثابة شهادة للشاعر أو الملحن أنه من خيرة الشعراء أو الملحنين.
بالعودة إلى "الخواجة عبد القادر"، فإنني لم أصادف شخصيا بعد كتاب "الأبعاد الصوفية في الإسلام" للبرفسور أنا ماري شيمل المستشرقة الألمانية عاشقة النبي محمد (ص)، عملا إبداعيا يقدم "الإسلام الصوفي" بهذا الصفاء و النقاء و الروعة و الحسن و الحب مثل مسلسل "الخواجة عبد القادر"، فهو عمل فني متقن الصنع و الحبكة، جمع بين البساطة و العمق، و نجح في إيصال مفاهيم روحية و فلسفية و رسائل دينية و أخلاقية و إنسانية في منتهى التركيب و التعقيد بكل بساطة إلى عامة الناس و المشاهدين.
يحمل "الخواجة عبد القادر" رسالة الشيخ الأكبر و المتصوف الأعظم العالم الزاهد الأندلسي محيي الدين بن عربي، و التي فحواها و جوهرها و غايتها أن "الدين حب" (أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه) دون أن يعلن ذلك، في مقابل هذه المفاهيم القاسية المتخشبة المتحجرة المخربة التي تغزو منذ سنوات بلادنا و العالم و جعلت من "الإسلام دين عنف و إرهاب و همجية و معاداة للجمال و النفور منه".
تدور أحداث "الخواجة عبد القادر" بكل انسيابية، و باحترام كامل للقواعد المعتمدة في أعمال الدراما التلفزيونية العربية، لكن المتابع لا يفوته الانتباه إلى تلك النزعة السجالية الهادئة التي يدخل فيها "الإسلام الصوفي" مواجهات فكرية موفقة في مقابل "الإسلام السلفي" و "الإسلام السياسي" و "الإسلام الرسمي".
و لأن التفاصيل مكمن الشيطان و مرقده، فإن "الخواجة عبد القادر" بدا عملا فنيا صلبا يقوم على قاعدة متينة من "الرموز" و "الدلالات" المبينة لاحترام صاحب العمل لمشروعه، ف"سبحة المريد" و "صوت القارئ المنشد" الذي تتداخل في أذكاره صور "الله" و "الحبيب" و "روحانية الشيخ" العارف بأعقد المسالك و مرتقي أعلى المقامات، و "رؤى العاشق" و "كرامات الزاهد"، و سواها جميعها وجدت مكانا لها دون أن يشعر المشاهد بأي أمر يكدره أو يدفعه إلى الاعتقاد بأنه معني برسائل لا تتفق مع تفكيره أو تتناقض مع قناعاته الدينية السائدة.
و لعل اختيار اسم "عبد القادر" نفسه كان أحد العلامات البارزة لتميز هذا العمل، فهو القطب الصوفي الأول "تاج العارفين" المولى الشيخ سيدي عبد القادر الجيلاني، و هو الشيخ عبد القادر السوداني صاحب الولاية و الكرامة، و هو الخواجة اللندني البريطاني عبد القادر المريد، و هو الشاب الطالب عبد القادرإبن المهندس كمال مريد الخواجة رمز المستقبل و الاستمرارية للحاجة الصوفية.
رسالة الخواجة عبد القادر هي رسالة كل دين حق يدعو إلى المحبة قاعدة تنتظم وفقها علاقة الخالق بالمخلوق و علاقة المخلوق بأخيه المخلوق، و هي رسالة تنقية النفس من شوائب الكراهية و البغضاء و الحسد، و هي رسالة الحب الذي تزول معه كل أنواع الحدود و الفوارق بين سائر البشر، و هي رسالة من أجل تجديد الدين و مصالحته مع عناصر الجمال في العصر و التراث
---------------------------------------------------------------
*كاتب تونسي
رئيس ومؤسس مهرجان الفيلم العربي بروتردام



