شريف رزق يكتب : السياسى المحترف
الرسام الهولندى الكبير «رمبراندت» كان يعشق الفن عشقاً فريداً، وكان يصرف ما يكسبه من الفن على الفن، وحين تقدم به العمر ولم يمتلك المال الكافى لشراء الأدوية والغذاء قام تلاميذه بمساعدته مالياً، فلم يستخدم المال فى شراء الأدوية وإنما فى شراء الألوان ليستمر فى الرسم، وهذا العشق لما يعمل هو ما يجعلك تفكر فيما يحدث فى المشهد السياسى المصرى الحالى وتقارنه بالماضى القريب والبعيد، والقارئ للتاريخ المصرى بإمعان يدرك من هو السياسى المحترف ومن المتداخل فى أمر لا دراية له به، وقبل كل هذا يدرك الفرق بين ما هو دينى وما هو سياسى، يعرف عن ماذا يتكلم وما مدى معرفته وإلمامه به، ويسأل حين لا يعرف، ويقرأ كثيراً حتى يعرف.
السياسى المحترف هو من يدرك أبعاد المشهد السياسى، أبعاد القوة، ونقاط الضعف، ويدرك تماماً من هو فى ذاك المشهد، ما يستطيع أن يسهم به وما لا يستطيع القيام به، ولو كنت فى مكان الرئيس الحالى لفكرت بطريقة سياسية احترافية فى اختيار الحكومة، فهل سيفعل ذلك السيد الرئيس؟
يتبرع السيد الرئيس بإرجاع الصحفية شيماء عادل، مع أن الأمر من البساطة مما كان أن تقوم به الخارجية المصرية!
حين يصدر الرئيس الحالى قراراً بالإفراج عن المتظاهرون أمام السفارة السورية، والذين حاولوا اقتحامها، كيف نفسر هذا القرار؟ الرئيس يدعم الثورة السورية لأنها بالأساس إخوانية، ولماذا لا يدعم هؤلاء «الثوار» المتظاهرين الشيعة فى البحرين؟ أو يتظاهروا أمام السفارة السودانية؟
السياسى يأخذ قرارات سياسية، أما المقحمون فى السياسة، فيأخذون القرارات إما وفقاً للهوى أو الانتماء الدينى أو أشياء أخرى.
وما شهدناه فى مجلس الشعب المنحل خير دليل على مدى قصر النظر السياسى وانعدام الرؤية السياسية، فكثير من هؤلاء لم يدروا ما كانوا يفعلون، ولن يدركوا مهما طال الزمن ماذا هم فاعلون.
الاحتراف يبدأ بالعشق، ومن يعشق يبذل جهداً كبيراً حتى يتحقق له ما يريد، والسياسى المحترف عاشق بدرجة امتياز. والعشق هنا هو الجهد فى المجال، حين يجتهد العشاق لا يعبأوا بالجهد أو الوقت، ويكون الهدف الأول والأخير هو السعى نحو الامتياز، ولم نر حتى الآن أى سعى نحو أى شىء، فمعظم السياسيين الحاليين تستحوذ عليهم فكرة الهيمنة، وانتصار الفريق المنتمين إليه، فالإخوان يناصرون الرئيس مهما قال، والإخوان مجموعة سياسية متلاحمة تحاول جاهدة الهيمنة، وبأى حق ومنطق يقف شباب الإخوان يوم إصدار الحكم فى اللجنة التأسيسية للدستور وقرار حل مجلس الشعب محاولين اقتحام المحكمة، ويتهم محامى الإخوان قضاة المحكمة الدستورية بالتزوير، أليس ذلك أحد أشكال البلطجة السياسية، التى تتماشى مع ما يقوم به الإخوان الآن.
فى عصر محمد على قتل شاب مسلم شاباً مسيحياً وألقى جثته فى الماء، وتم اكتشاف الجريمة وحكم على الشاب المسلم بالإعدام، وحين سيق الشاب لإعدامه هاجت وماجت بعض الجماهير وهددوا بقتل مسيحيين آخرين، فما كان من طاهر بك رئيس البوليس، إلا أن بلغهم بأن الوالى أمر بقتل من يبدى أدنى ملاحظة فانصرفت الجموع واختفت، وهنا سيادة القانون الواضحة، فالرئيس يحكم بالعدل وليس وفقاً للهوى والميل الدينى، وتلك هى رسالة بسيطة من الوالى محمد على إلى الرئيس «مرسى».. فهل يستمع؟



