د. مبروك عطية يكتب : رمضان شهر الصبر
إنْ كان الناس فى حاجة إلى الصبر فى زمان دون زمان، فإن حاجتنا اليوم إلى الصبر شديدة، وذلك لأننا فى تسرع لا مثيل له، يعيننا عليه تلك الوسائل الحديثة التى تنقل الأخبار فى طرفة عين، وياليتها تنقل الأخبار الجميلة الطيبة، كما تنقل بتلك السرعة الهائلة الأخبار السيئة التى تثير الناس - فى زمان الثورة. وتلهب مشاعرهم، وتدعوهم إلى الفتن، وتسوقهم إليها فالموقف العابر الذى يحدث فى الصباح تصنع منه وسائل الإعلام- ولاسيما الفضائيات - مجلدات فى المساء، وهات يا تحليل، وهات يا رؤى، وهات يا شفرات ومنذرات حتى مطلع الفجر، الأمر الذى يؤثر فى الناس وفى أعمالهم ونظراتهم إلى المستقبل. وها هو رمضان الكريم، شهر القرآن والذكر والصوم عن الطعام والشراب، وسيئ العادات، حتى يكون ثوابنا فيه كاملاً غير منقوص، سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهر الصبر، فقال للباهلى الذى جاءه وقد تغيرت هيئته، فلم يعرفه - صلى الله عليه وسلم - حتى عرّفه بنفسه، فسأله: ما الذى غيرك؟ فقال: ما أكلت لقمة منذ فارقتك إلا بليل، فقال - عليه الصلاة والسلام-: ولمَ عذبت نفسك؟! صم شهر الصبر «رمضان» وثلاثة أيام من كل شهر. والصيام عن الطعام والشراب أمر هين بالنسبة إلى الصيام عن سيئ العادات، وموروث الثقافات التى صار فيها ابتداع لم يعرف من قبل، ومن ثم كان علاج الإسلام للعمى الذى يتمثل فى فقه العبادات دون فقه المعاملات، وما شرعت العبادات فى الإسلام إلا من أجل أن تكون المعاملات بين العباد على أرقى ما يكون، ألا ترى إلى قول الله - تعالى -: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» وقوله - عز وجل -: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». والتقوى اسم جامع لكل خير، وليس من التقوى أن تحرم نفسك شهوة البطن والفرج الحلال من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأنت لا تحرمها ذلك السوء الذى منيت به من فساد الطبع وسوء الخلق، لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه» وقد جاء التوجيه النبوى الشريف للمسلم الذى يعتريه شىء مما يكون بين الناس من سباب وشتم وقتال أن يجيب عن ذلك كله بقوله: إنى امرؤ صائم، وهو لا يجيب به من شتمه أو سبه أو قاتله، وإنما يجيب به نفسه الأمارة بالسوء التى تهوى الرد على مَنْ أساء إليها بإساءة أبلغ وأشد، أى ينطلق صوت ضميره الحى فى أعماق نفسه، يُروّى به نفسه قائلاً لها: لا تردى على السفيه بإساءة، فأنا امرؤ صائم. والله - عز وجل - يقول: «ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم» ويقول فى أصحاب الجنة: «والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم...» ويقول - عز وجل -: «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا...» وقد تعارف الناس على أن الصبر لا يكون إلا عند المصيبة، وهذا أيضاً من المغاليط، فالصبر خلق ومنهاج، يحتاج إليه من توفرت عنده النعم، حتى لا يستعين بنعم الله - عز وجل - على معصيته، إذ عليه أن ينعق ماله فى طاعة ربه، فهو فى حاجة إلى الصبر، وصاحب العلم فى حاجة إلى الصبر، كى يضبط عبارته، ويحقق مقالته، ويوضح فكرته، وينمق كلمته، فيفيد بذلك القارئ، حتى الطاهى الذى يطبخ الطعام فى حاجة إلى الصبر حتى تؤكل اللقمة من يده مستساغة شهية، والمتحاورون فى حاجة إلى الصبر، كى يحسن كل منهم الاستماع إلى صاحبه، ويعقل ما يقول، ولا يرد عليه انفعالاً بانفعال، ترى كثيراً من المتحاورين اليوم وقد بدأ كل منهم بالترحيب والاستعداد للحوار الموضوعى الهادف.. بعد لحظات يصيرون وحوشاً كاسرة، يشتم بعضهم بعضاً، ويسفه بعضهم آراء بعض، وقد ينسحب أحدهم من ساحة الحوار مدبراً، وقد قال - عليه الصلاة والسلام-: «...ولا تدابروا». فلعل رمضان يهدينا الله فيه إلى صبر جميل نرى فى ظله تحضراً وجمالاً.



