مروى مزيد تكتب : على هامش زيارة كلينتون
كنت قد كتبت فى مقال فى أغسطس الماضى عنوانه «عسكريون وإسلاميون وتوحيد المقامات»:
طالما وازن مبارك بين وجوده كباعث «للاستقرار» والفوضى العارمة غير محسوبة العواقب إذا ما غاب نظامه. هذا بالإضافة إلى أمر آخر بالغ الأهمية، وهو تفزيع الغرب من مخاطر الإرهاب الدولى، إذا ما صعد الإسلاميون فى مصر.
لكن يبدو من المثير حقا أن مثل هذا «التفزيع» لم يعد يخيف الغرب! بل إن هناك بوادر قد تشير إلى فكرة التأقلم الإيجابى الغربى مع فكرة مصر «سنية» إسلامية، تقترب فيها «مصر ما بعد مبارك» أكثر وأكثر من المملكة العربية السعودية، فى استمرارهما كحليفتين للولايات المتحدة، حتى إنه فى بعض السيناريوهات قد يصبح النظام المفضل حقا لدى الغرب لأن تكون عليه مصر الآن هو نظاماً عسكرياً ذا صبغة أكثر دينية وأكثر محافظةً، هويته «إسلامية سنية»، قد تُستخدم مصر من خلاله، مع المملكة العربية السعودية، فى مواجهة إقليمية لاحقة ضد إيران «الشيعية».
فى مثل هذا التصور إذن، ليس هناك تعارض بين مصالح الغرب وصورة نظام مصرى عسكرى - تدينى- محافظ، تظهر من خلاله جماعة الإخوان والحزب المنبثق منها على أنهما «نقطة الوسط» المرجوة الوحيدة، رغم حقيقة ميلهما كجماعة وحزب اليمين السياسى وليس الوسط.
فهل بذلك أيضا «تتوحد المقامات» بين الغرب من جهة، والتيارات الدينية من جهة أخرى، والتوجه نحو الدولة العسكرية فى مصر من جهة ثالثة، فى اشتراك للمصالح السياسية بينها جميعا؟
كتبت هذا وقد مر عام تقريبا، ووضحت بعض ملامح ما أشرت إليه، بل أصبح هذا التصور جزءاً من خطاب «متخوِّف» ومُتدَاوَل حاليا، خاصة فى ظل زيارة هيلارى كلينتون الأخيرة. من المثير أننى الآن تحديدا لست «بالتخوف» الذى كنت عليه منذ عام والذى أستشعره فى خطاب الكثيرين من أقباط، ليبراليين، تحرريين، والذين الآن، فى مفارقة تاريخية، يُشكِّلون المشاركين فى وقفات للاحتجاج ضد زيارة كلينتون، فى تغير ملحوظ لهوية معارضى السياسات الأمريكية!
ربما مصدر «عدم التخوف»، رغم ضرورة الحذر والحيطة العامة، هو تغيُر هوية معارضى السياسة الخارجية الأمريكية، مما يؤكد أن تلك السياسة تتغير وفقا لمعطيات جديدة، وليس وفقا لـ«أيديولوجيات» وقوالب جامدة، وهو شىء يجب أن يدعو للتفاؤل وليس الرعب! فهذا معناه ضرورة إدراك المصريين أن الولايات المتحدة تتعامل مع أرض الواقع، وتراهن وتدعم من «يبدو» رابحا، ولو إلى حين. من لديه مشكلة مع هذا الرهان، فعليه أن يربح سياسيا داخليا أولا كى يستطيع أن يحشد الدعم الدولى.
كلينتون كانت واضحة فى المؤتمر الصحفى فى ردها على سؤال حول مدى «أسف» الولايات المتحدة وإداراتها المتعاقبة على دعمها لمبارك فى «ظل نظامه السلطوى الذى قمع الحريات». فقالت إن الولايات المتحدة تتعامل مع حكومات دول العالم، على اختلاف أنماطها، اختلفت معها أم اتفقت. وأنه فى هذا السياق قد تعاملت مع مصر فى ظل مبارك، رغم اختلافاتها واعتراضاتها على حالة الطوارئ مثلا، لكن الخلاصة أنها «ستتعامل» «ستتعاطى» مع أى حكومة كائنة أو قوة سياسية صاعدة فى مصر!
ما الغريب فى هذا؟ بل ما «الخطأ» لو كنت أمريكيا؟
إذا كانت مشاكلنا داخلية فلنحلها داخليا، كل وفقا لثقله السياسى فى الوقت الراهن، ومع تفكير استراتيجى لتقوية ذاته مستقبليا. إن أردنا حريات فى ظل صعود جماعة الإخوان وانتخاب مرسى رئيسا، فلنتساجل سياسيا فى معركة الدستور، الذى يجب أن يكون قصيرا مقتضبا من مواد يحفظها المواطن العادى، والتى تمنحه حرياته عامة، إلى أن تأتى القوانين لتحددها فيما لا يتعارض مع تلك الحريات الدستورية المطلقة.
وهذا وحده مصدر تفاؤلى، فبهذا سيخلق مناخ تعددى بين الأطراف المتساجلة، يمكننا أن ننظر إليه كالمتشرذم الداعى للتشاؤم، ويمكننا أيضا أن ننظر إليه على أنه عاكس لتعددية ما، وكأننا جميعا نمسك بأطراف من قطعة قماش مستديرة، ما إن يُحاول أن يجتذبها طرفٌ نحوه، حتى يحاول الماسكون بالقطعة يبقونها وسطية فى مكانها. وبهذا التصور تظل لدينا القدرة على البقاء، بل والعمل.
marwa@u.washington.edu



