سامح راشد يكتب : نرجسية الإخوان
يعانى الإخوان، منذ إنشاء التنظيم، من حالة نرجسية تنعكس على سلوكهم وتعاملهم مع الآخرين، ولا تقتصر تلك النرجسية عليهم كأفراد ينظرون لمن هو غير إخوانى بتعالٍ، وإنما تنسحب أيضاً على التنظيم ككل، فكل ما هو خارج التنظيم لا يستحق أهمية، وأى نصيحة يتلقاها الإخوان من خارج التنظيم لا تمثل قيمة مضافة. لذلك فالإخوان لا يخطئون، وبالتالى لا يعترفون بأخطائهم، «لأنها غير موجودة!»، فإذا سارعوا إلى مجالسة عمر سليمان أثناء الثورة، فتلك مقتضيات العمل السياسى، تحرياً لمكاسب محتملة حال فشل اعتصام التحرير. وعندما يقاطعون المليونيات وكل مظاهر الفعل الثورى والضغط السياسى؛ فالدافع هو الاستقرار والحفاظ على أركان الدولة من الهدم والتخريب. وحين رفض الإخوان فى البرلمان إلغاء المادة ٢٨ التى تحصن قرارات لجنة انتخابات الرئاسة كان ذلك حماية لمقام الرئاسة وانتخاباتها من الحيل والألاعيب القانونية. فى كل هذه المواقف لم يكن الإخوان يرون إلا أنفسهم، ولا يقبلون إلا تفسيراتهم هم، التى يقتنعون بها، وعلى الآخرين أيضاً قبولها ومن يرفضها، فهذا شأنه.
قبل أن يصبح «مرسى» رئيساً، عندما لاحت فى الأفق مخاطر وصول «شفيق» إلى الرئاسة وإعادة إنتاج حكم «مبارك»- قبل الإخوان إبرام شراكة مع القوى الثورية، وخرج «مرسى» على الملأ يعلن التزامه تلك الشراكة وما تقتضيه من رفض الإعلان الدستورى المكمل، وإطلاق المعتقلين وإعادة محاكمات «مبارك» ورجاله وقتلة المتظاهرين. كان واضحا وقتئذ أن سلوك الإخوان هذا استثنائى فى مضمونه، لكنه استمرار لمنهج الغاية تبرر الوسيلة. فبعد أن كان الابتعاد عن الثورة والثوار مفتاح المكاسب السياسية والحصص السلطوية، أصبح الانخراط مجدداً فى الثورة والاندماج مع الثوار المدخل والورقة الرابحة لانتزاع منصب أو احتكار سلطة. الخطأ ليس فى الوسيلة ولا فى منهج التنسيق أو إبرام الصفقات، إنما الخطأ، بل الخطر، فى الهدف الكامن وراء ذلك، إنه السلطة لا الثورة.
صحيح أن المشهد الراهن يستلزم امتلاك السلطة لتحقيق الأهداف. لكن السلطة لدى الإخوان ليست وسيلة لتنفيذ مطالب الثورة، فقد ظل البرلمان المنتخب- وهم أغلبية فيه- قائما يباشر أعماله خمسة أشهر كاملة. لم يتم خلالها عزل رموز «مبارك» إلا بعد ظهور شبح سليمان فى سباق الرئاسة، ولم يتم التفكير فى تطهير المؤسسات الصحفية إلا مع قرب حل مجلس الشورى، ولم يتم تعديل أو سن كثير من القوانين إلا فى اللحظات الأخيرة قبل حل مجلس الشعب. وتم التهديد بسحب الثقة من حكومة «الجنزورى» ثلاث مرات، وفى كل مرة يتراجع الإخوان و«السلفيون» تجنبا للصدام مع «العسكرى». لو أن امتلاك السلطة مجرد وسيلة لتحقيق مبادئ الثورة، لما وقع الرئيس مرسى فى خطأ فادح باستدعاء مجلس الشعب للانعقاد، والدخول فى صدام لا مبرر له مع المحكمة الدستورية العليا.
معلوم أن السبب الخفى هو تجنب احتمال إبطال أعمال اللجنة التأسيسية، ومن ثم انتقال صلاحية تشكيلها إلى المجلس العسكرى بنص الإعلان الدستورى. وهنا تتجلى خطيئة النرجسية التنظيمية لدى الرئيس الإخوانى، فمنطق الانغلاق على الذات والخروج بقرارات مفاجئة هو الذى وضع الرئيس فى هذا الحرج. فلو أن دائرة التشاور والمشورة الرئاسية تكسر الطوق الإخوانى، لربما وجد الرئيس من يحذره من تلك الخطوة، بل كان سيجد من يخبره أن بإمكانه إلغاء الإعلان الدستورى المكمل أو تعديله وسحب صلاحية تشكيل «التأسيسية» من «العسكرى». وذلك دون اللف والدوران من بعيد عبر إحياء مجلس الشعب.
النرجسية التنظيمية هى آفة «الإخوان المسلمين»، ولا يصح أن تنتقل تلك الآفة إلى قصر الرئاسة. على الرئيس أن يتحرى الدقة بشدة فيما يسمع ومن يسمع. وعلى الإخوان مراجعة أنفسهم وتعلم دروس الماضى القريب. فلو أن لدى الإخوان قدراً من شجاعة النقد الذاتى وفضيلة التطهر، لتم فصل مستشاريهم القانونيين ومخططيهم السياسيين الذين ثبت فشلهم أكثر من مرة «واقعة استبعاد الشاطر من سباق الرئاسة وحدها تكفى». يقول خبثاء إن من بين هؤلاء القانونيين عملاء لنظام «مبارك» يقومون بتوريطهم فى أخطاء قانونية وخطايا سياسية وهم سبب الفتنة بين الإخوان والثورة والثوار. وسواء كان فى الأمر مؤامرة واختراق للتنظيم أو أخطاء غير مقصودة- وإن كانت كارثية- فإن النرجسية التنظيمية هى جوهر الخلل فى أكبر قوة اجتماعية وسياسية فى مصر.
samehrashed@gmail.com



