عزت القمحاوى يكتب : سؤال عن المستقبل فى ظل حرب الشرعيات المبتورة
من الصعب قراءة قرار د. مرسى إلغاء حل مجلس الشعب بوصفه صراعاً بينه وبين المجلس العسكرى بعيداً عن انتساب الرئيس لجماعة الإخوان، وانتساب العسكر لنظام مبارك. وبالمثل لا يمكن القول بسهولة إن الأزمة مجرد موجة من الموجات العالية فى مسيرة التعاون اللدود أو العداء الحميم بين الطرفين. هى على الأرجح النهاية، وقد جاءت بأسرع مما يتصور أحد. الطلاق، على أى حال، كان متوقعاً لانعدام التكافؤ، لكن أكثر المراقبين تشاؤماً كان يتصور استمرار الزيجة لحين انقضاء شهر العسل، فإذا بالأمر ينتهى بعد السبوع، وهو المحظور الذى لا يحبه المصريون لأنه يضع الزوجين فى دائرة الشك، وهما كذلك فعلاً لأنهما شريكا المرحلة وما قبلها، إذ كان نفع «الإخوان» للنظام أكثر من ضرها، ففزاعة الإخوان كانت مرفوعة دائماً فى وجه المطالبة بالإصلاح. وقد دبر العسكر من البداية لإغلاق مسارات التغيير، ونجحوا بمساعدة الإخوان فى توجيه المسار حتى انحصرت المواجهة النهائية فى الصيغة المباركية للحكم. هذا التدبير المدروس جيداً لم يضع الشعب فى اعتباره، وقام على أساس علاقة القوة، فلا العسكر حاولوا تأسيس شرعية لهم، ولا الإخوان تمهلوا فى جمع الغنائم ليزيدوا من شعبيتهم. لا تستطيع سلطة أن تدعى لنفسها الشرعية الكاملة منذ سقوط مبارك إلى اليوم: رئيس جاء بشرعية الصندوق، ولا شرعية الألعاب التى أغلقت طريق التغيير من الاستفتاء إلى الإعلان الدستورى الأول إلى إجراءات الترشيح والتصويت والطعن أمام لجنة انتخابات محصنة، وأخيراً تسلمه منصبه بعد إعلان دستورى ثان حصن به العسكر أنفسهم، واختصوا مجلسهم بسلطة التشريع بدلاً من مجلس الشعب، وشكرهم الرئيس حتى قلنا ليته سكت. ومجلس الشعب، السلطة محل الخلاف، غير دستورى من الناحية القانونية، ولم يتمكن من تثبيت شرعية شعبية، لأنه انشغل بهدف تكبيل المجتمع، ومحاولة الانتقاص من حقوق المرأة بدلاً من أن ينشغل بتقييد شياطين الفلول فأصدر قانون العزل متأخراً. والمجلس العسكرى، اللاعب الأساسى فى المرحلة، يمكن الطعن فى دستورية تسلمه السلطة من الأساس، لأن مبارك لم يكن من حقه أن يوِّلى من يحل مكانه بعد أن سقطت شرعيته. ولم يؤسس العسكر شرعية ممارسة تجعل الشعب يتغاضى عن عدم شرعية الميلاد. والقضاء، الذى لا يختلف اثنان فى مصر على ضرورة استقلاله، يرى قضاته أنه كامل الاستقلال، بينما تقتضى المصلحة الوطنية الاتفاق على ضرورة تأسيس ذلك الاستقلال، فالسوابق على عدم احترام أحكام القضاء أكثر من أن تحصى، حيث تمتنع السلطة التنفيذية عن تنفيذ نحو نصف مليون حكم قضائى يكسبه أفراد ضد الحكومة سنويًا فيما يتعلق بإجراءات معظمها بلطجة مؤسسية على الملكيات العامة، ولم نر رئيساً أو وزيراً يتعرض للحبس عقاباً له على الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء، وفيما يتعلق بمجلس الشعب بالذات لا يمكن أن يكون القضاة قد نسوا تعبير «سيد قراره» الذى رفعه فتحى سرور فى وجه أحكام القضاء ببطلان عضوية نواب الوطنى من تجار المخدرات والأميين الناجحين بالتزوير. ولم تكن كل الفبركات التى جرت من أجل إبقاء النظام القديم والعسكر فى الواجهة والتفاخر بالشرعية المزيفة إلا أن تنتهى إلى نهايتين محددتين: الأولى انفجار شعبى فى حالة إعلان فوز شفيق، والثانية ترحيل الانفجار فى حالة فوز مرسى، بحيث يأتى الفشل فى مرحلة لاحقة يخسر فيها الرئيس تعاطف القوى غير الإخوانية، وحبذا لو أخطأت الجماعة وأظهرت أى مظهر من مظاهر العنف، وقتها يقوم العسكر بإصدار أمر «كما كنت» الذى سيغدو مطلباً شعبياً. وهذا السيناريو يبدو احتمالاً، بينما يبقى سيناريو ثالث، سيناريو الحلم، بأن يتقدم التيار الثالث فوراً ويوحد صفوفه، لمرحلة ما بعد حرب الشرعيات المبتورة.



