د. إبراهيم البحراوى يكتب : أسباب الحرب الهستيرية على الرئيس
كأن معركة الانتخابات مازالت جارية، وكأن الشعب لم يقل كلمته، وكأن الصندوق لم يحسم الجدل.. هكذا شعرت خلال الأسبوع الماضى عدة مرات فى مناسبات اجتماعية مختلفة. قابلت حالة من التهجم الهستيرى الخالى من العقلانية على الرئيس الدكتور مرسى من عدد من السيدات صاحبات التعليم الراقى والوظائف المرموقة فى الإعلام والبنوك والإدارة العليا، تحمل الرجل أوزار العهد البائد بكاملها. قالت إحداهن يوم الأربعاء الماضى: أين هو برنامج مرسى الذى وعد به الشعب؟ قلت إن الرجل لم يمض فى السلطة أكثر من أربعة أيام فلماذا لا ننتظر حتى يشكل الحكومة وهى أداته فى الحكم وتنفيذ برنامجه؟! أجابت السيدة فى حدة ولماذا تدافع عنه؟ قلت: إننى أعلمك أصول التفكير المنطقى قالت ألم يكن يعلم من البداية أن عليه أن يشكل الحكومة فلماذا لم يشكلها؟! قلت: فى كل الديمقراطيات يحتاج الرئيس الفائز إلى شهر على الأقل ليجرى اتصالاته ومفاوضاته مع الشخصيات التى ستشارك فى الحكومة، خاصة إذا كانت حكومة ائتلافية. فاجأتنى السيدة المرموقة بنوع من الشطط العقلى وهى تصرخ: ولماذا يريد حكومة ائتلافية، أنا أريد حكومة كلها من الإخوان لتغرق فى الفشل وينكشفوا أمام الشعب. هنا اضطررت لأن أسأل السيدة: هل أنت من أنصار شفيق؟ أجابت: طبعا. قلت لها: صدقينى أننى كنت سأطالب المعسكر الآخر بالصبر والعقلانية لو كان مرشحك قد فاز فهذا أحد مقتضيات الديمقراطية. قالت: وكيف قلت لها: فى كل الدول الديمقراطية العريقة يصطف الناس خلف المرشح الفائز لأن مصلحة الوطن تقتضى وحده القوى وإعطاء الفائز فرصة لتحضير فريقه وتشكيل حكومته والانطلاق إلى تنفيذ برنامجه الذى نجح على أساسه. شاء حظى أن يضعنى فى تجربة أخرى من النوع نفسه فى اليوم التالى، فلقد انطلقت عدة سيدات مرموقات فى الهجوم على الرئيس، وحاولت أن أفهم، فأبديت الصبر، قالت إحداهن: هل رأيت مرسى وهو يشير بعلامة الذبح ويمرر يده على عنقه فى خطابه فى ميدان التحرير؟! كان يجلس معنا أستاذ جامعى شارك فى حملة شفيق فسألها: متى فعل مرسى هذا؟ قالت فى يقين: عندما ذكر القصاص للشهداء. أجاب الرجل: أنا لم ألحظ حركة الذبح هذه. قلت: أشكر لك عدلك، فصرخت السيدة وأخذت تقسم بأنها شاهدت «مرسى» يهدد بالذبح فأجبتها لاشك أنك تتوهمين لشدة خوفك من احتمالات الحكم الدينى والعنف الدينى، لكن السيدة أصرت على أنها شاهدت الحركة. عندما انصرفت قلت للجالسين إن هناك نماذج عديدة من الهلوسة الناتجة عن مشاعر الخوف منها الهلوسة البصرية عندما يتصور الخائف أنه يرى أشياء غير حقيقية، وهناك السمعية عندما يسمع أصواتاً لا وجود لها وغير ذلك. المهم أننى أعتقد أن مخاوف السيدة حقيقية، وهى مسألة يجب أن يعلم بها الرئيس وفريقه وحزبه حتى يتفهموا أن أحد دوافع العدوان الهستيرى ضدهم هو هذا الخوف الهستيرى الذى يجب أن يطمئنوا أصحابه، خاصة مع ظهور بعض حالات المهووسين الذين بدأوا يتدخلون فى الشوارع والمحال وفى حياة الناس وحرياتهم باسم الدين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو أمر بلغ أقصى درجات الخطورة فى حالة قتل الطالب الجامعى بالسويس. إن سمعة الرئيس مهددة بفعل هذه التصرفات التى تشيع الرعب فى نساء مصر الخائفات على سلامة أولادهن وبناتهن والقلقات على الحريات الشخصية. فى جلسة ثالثة قالت سيدة مرموقة إن مرسى لم يتحرك، فمازالت القمامة فى كل مكان والفقراء بدأوا فى الخروج والتجمع حول القصر الجمهورى، وأضافت: لقد ضيع مرسى مهابة القصر الجمهورى وهيبة الحكم الضرورية. هنا أطالب الرئيس بأن يخاطب الشعب فى بيان بمناسبة مرور أسبوعين على تسلمه الحكم حتى وإن لم ينته من تشكيل حكومته ليصارح الناس بما وصل إليه، وبما ينتويه من برامج فور اكتمال الحكومة. وهنا أيضا أطالبه بأن يجد طريقة لتلبية حاجات أصحاب المطالب على نحو منظم ودون إخلال بهيبة الحكم اللازمة لإقرار النظام والقانون وإلزام العامة بالتوقف عن الفوضى والانفلات أثناء عرض مظالمهم. لماذا مثلا لا تخصص بوابة معينة يتلقى فيها ممثلون للرئيس طلبات الناس ويعملون على تلبيتها بدلاً من التجمهر وتسلق البوابات. لقد وجدت نفسى فى جلسة اجتماعية أخرى شارك فيها صديق العمر المفكر الاجتماعى سيد ياسين أطالب إحدى السيدات المرموقات بأن تتذكر خبرتها عندما كانت تعمل فى دول أوروبا، وأن تتوقف عن مواصلة المعركة الانتخابية بعدما انتهت، وأن تكف عن الهجوم على الرئيس وأن تعمل على مد يد العون له. قلت لها: إننى أناشدك أن تتذكرى كيف يلتف الشعب فى أوروبا حول الرئيس الفائز. إن علينا فى مصر أن نساعد ربان سفينة الوطن حتى لا تغرق بنا جميعاً. فأجابت: لقد غرقت بالفعل. قلت لها: لماذا؟ قالت: لأن أنصار التيار الدينى سيتحكمون فى حياتنا، فأجبت قائلاً: أعدك بألا يحدث هذا وإذا حدث فإننا سنعارضه بكل الطرق الديمقراطية، المهم الآن أن نساعد الرئيس على الانطلاق بالسفينة إلى الأمام لمصلحة مصر. إننى أستطيع تشخيص أسباب الحرب على الرئيس بنقص الثقافة الديمقراطية وبخوف الطبقات المستنيرة من التسلط الدينى، وبكراهية أنصار شفيق للفائز بالرئاسة، وبالقلق من فوضى العامة حول القصر الرئاسى، وبمحاولات بعض المحترفين جذب أنظار الرئيس إليهم بالتهجم عليه. إن هذه الأسباب جميعاً تقتضى أن يتحرك فريق العمل المحيط بالرئيس بوعى لعلاج هذه الدوافع ولوقف هذه الحرب الهستيرية، التى تخرب التجربة الديمقراطية، وتقوض فرصة مصر فى استعادة الاستقرار وإطلاق قوى النهضة. ■ ملاحظة: كتبت الكلمات السابقة وأرسلتها إلى الصحيفة قبل صدور قرار الرئيس عودة البرلمان، وهو قرار محل خلاف قانونى ومحل شك، باعتباره إهداراً لسيادة القانون.



