مروى مزيد تكتب : نقطة ومن أول السطر
الآن وقد هنأنا واحتفلنا بالانتقال السلمى للسلطة إلى رئيس منتخب، علينا أن نبدأ فى المراقبة والتحليل، وإن ظللنا محافظين على تفاؤلنا الحذر. هذا الأسبوع، الذى عدت فيه إلى مصر، بادرتنى عدة أخبار مقلقة، أهمها قضية قتيل السويس. إن لم تثبت نظريات المؤامرة من أن «أمن الدولة» هو المسؤول عنها لكى يُرهب الشعب من المتطرفين دينياً، فى تقاطع مع وصول مرسى ذى الخلفية الإخوانية للرئاسة، فيجب علينا أن نُعرفها بما هى عليه حقاً: «جريمة كراهية» أو «Hate Crime». لمن لا يعرف معنى هذا المصطلح القانونى فهو نوعية من الجرائم تُعرف فى كثير من الدول بكونها جريمة يَستهدِف فيها الجانى ضحيته بناء على انتمائه ـ أو انتمائها ـ لجماعة اجتماعية بعينها، عادة ما تُحدد على أساس: الجنس، العرق، الدين، درجة التدين، الإعاقة، الطبقة، الجنسية، السن، النوع أو غير ذلك من محددات الهوية، فتسفر عن اعتداء، أو إصابة أو قتل على أساس خصائص شخصية معينة: مظهر مختلف، لون مختلف، جنسية مختلفة، لغة مختلفة، دين مختلف أو درجة تدين مختلفة، وبالتالى فإن «جرائم الكراهية» تصف جرائم العنف الذى يتم بدافع التحيز ضد واحد أو أكثر من الأنواع المذكورة أعلاه. وتنطوى «جرائم الكراهية» على حوادث الاعتداء الجسدى، أو إلحاق الضرر بالممتلكات، أو الترهيب، أو التحرش، أو العنف اللفظى، أو الإهانات، أو كتابة رسائل حقد وكراهية لجماعة معينة على الجدران. جريمة السويس قد تُعتبر «جريمة كراهية» لأن الضحية كونه فلان الفلانى أو «أحمد حسين، الطالب بكلية الهندسة» لم يكن الهدف، ولكن «فئته» أو «خانته» أو «هويته»، كونه شاباً يسير فى الشارع مع خطيبته هو الهدف، بمعنى أن من قتلوه لا يعرفونه شخصياً وليس بينهم عداوة مسبقة دفعتهم لارتكاب جريمة قتل موجهة لشخصه، ولكن كونه متصفاً بصفة «السير مع خطيبته» كان دافعاً بما يكفى لارتكاب جريمة ضده نظراً لتمثيله كل من ينطبق عليهم هذا الوصف، وبالتالى من المفترض أن نستنبط أن كل شاب يمشى مع خطيبته فى الشارع من الممكن أن يُقتل، تماماً كما قد يُقتل أى أسود فى جريمة كراهية دافعها العنصرية، أو أى مسيحى أو مسلم أو يهودى أو بوذى فى جريمة كراهية دافعها الدين وفقا للبلد ونوعية العنصرية الدينية لدى بعض أفراد شعبها. وبذلك يتساوى فى هذا الإطار اليهودى الذين قُتل فى جرائم كراهية فى ألمانيا النازية مع مروة الشربينى المصرية المسلمة التى قُتلت فى جريمة كراهية فى ألمانيا الحديثة، وإن كان قاتلها مهاجراً روسياً حديث الهجرة لألمانيا ـــ والذى بالمناسبة حُكم عليه بأقصى عقوبة هناك وهى السجن مدى الحياة بعد ثبوت جريمة الكراهية عليه، فأين نحن من جرائم الكراهية التى تُرتكب فى مصر؟ إذن كل جرائم الكراهية لا توجه لأفراد بأشخاصهم، ولكن لـ«خانات» من البشر. ومن المخزى حقاً أن يُبرر أى شخص مقتل هؤلاء بأن «خانتهم» استفزت قاتليهم، كأن نلوم الضحية فنقول مثلا: لماذا هو أسود إذن؟ ما كان عليه أن يولد فيصر على أن يعيش هكذا فى مجتمع أبيض. أو لماذا هى امرأة؟ تستحق التحرش فعلا، لماذا لم تختف كليا؟ أو لماذا يتحدث هؤلاء بهذه اللهجة أو تلك اللغة؟ قطعا يستحقون الضرب، كان يجدر بهم التخلص من لغتهم هذه. أو لماذا يسير هذا الرجل فى الشارع مع خطيبته؟ يجب حقا أن يُوبخ أو حتى يُقتل هو وكل من مثله. بالتالى ليس كافياً أن نشجُب أو نندد فى بيانات، المطلوب الآن قضية ومحاكمة وتطبيق رادع للقانون وأيضاً التعرف أكثر مجتمعياً على ماهية «جرائم الكراهية» كدافع لجرائم القتل. ولذلك الرسالة الآن إلى السيد الرئيس: نقطة بعد التهنئة الأولية، لكننا الآن نكتب من أول السطر، فحماية حريات التعبير الشخصية للمواطن المصرى من مأكل وملبس ومسلك ونمط حياة يختارها الفرد فى الأماكن العامة والخاصة، وفقاً للقانون، إنما هى من المُسلّمات التى لن يتهاون فيها الشعب المصرى، وبالتالى من مسؤولياتك، أيها الرئيس، أن تؤكد على سيادة القانون، وأن تردع كل من يتجرأ على أن يعتدى على حريات المصريين أو يقوم بجرائم كراهية موجهة لفئات مجتمعية بعينها. لقد صدقت فى خطابك بالهايكستب حين قلت: «قمة الأولويات أن يطمئن الناس للأمن والاستقرار. حين يطمئن الناس إلى ذلك سوف ينتجون». فلنلتزم بأولوياتنا إذن! معركتك الحقيقية هى أن تُشعر الناس بالأمن فى الشارع، لا أن يُقتل من يمشون فيه، فى ظل جرائم الكراهية. لعلك تنجح فى هذه المعركة! marwa@u.washington.edu



