د. أمانى الطويل تكتب : رسالة مفتوحة إلى البشير (١-٢)
سيدى الرئيس، تراودنى منذ شهور فكرة كتابة هذا الخطاب المفتوح لك بعد أن استحكمت أزمات السودان السياسية والاقتصادية، وبدا أنه يعود إلى مربع الحرب الأهلية من جديد رغم خسارة جزء عزيز من التراب الوطنى. ترددت ولم أفعل، وحينما أعلنت بنفسك قبل شهور أنه لا ترشيح جديداً لك فى سدة الرئاسة السودانية وأنك ستخلى موقعك فى غضون عام، قلت لنفسى: حسنا فعل الرئيس، فقد أدرك طائعا مختارا أن طول فترة الحكم سبب كاف لإنهائه حتى إن لم تكن مجللة بالفشل كالحالة فى السودان.
وفرت مبادرتك على شخصى الحرج الإنسانى أن أخاطب رئيساً عربياً وأدعوه إلى الترجل عن سدة حكم بلاده ،وأنا لست من ضمن مواطنى هذا البلد، وإن كانت تربطنى به، كما كل المصريين، أواصر الدم والتاريخ، وأيضا سنوات من العمل وشهادات علمية عن أحوال السودان وتطوره التاريخى والسياسى.
يبدو سيدى أن العام الذى وعدت قبل شهور أن يكون عامك الأخير فى الحكم، لم يتحمله الشعب السودانى كما قدرت أنا فى جلسة مطولة جمعتنى بواحد من مستشاريك الأفاضل، كنا نتشاور فيها عن أحوال الثورات العربية وفرصها، وعن السودان، اختلف معى الرجل، وقال إن السودان مشكلته محلولة لأنك راحل فى غضون شهور، وأن التحدى فى السودان هو اقتصادى بالأساس وهو فى طريقه للحل، ومن ثم لا فرصة لربيع سودانى، ولكن صدق حدسى وتقديرى فتبلورت حركات احتجاجية من الشباب أشعل شرارتها حرائر السودان من الطالبات من أحفاد عزة ومهيرة، «رفة فراشة»، كما تقول نظريات العلوم السياسية الحديثة هى ما أسقطت نقطة الماء من كوب الاحتقان الشعبى وبدأ ربيع السودان.
أسبابى سيدى الرئيس فى دعوتك إلى إنهاء حكمك سلميا متعددة، منها أن الاحتجاجات القائمة فى السودان ضد نظامك لن تنتهى رغم حملة الاعتقالات الواسعة التى تجرى ضد النشطاء السياسيين، والحلول الأمنية والقمعية التى تلجأ إليها الأجهزة التابعة للنظام، من تعطيل للصحف ومنع كتابة الصحفين والأكاديميين بل أيضا منع بعض الإسلاميين المحسوبين تاريخياً على نظامك من التعبير عن الرأى. أقول رغم كل هذه الإجراءات القمعية فإن هناك ما يسمى فى النظريات السياسية والعسكرية حدود استخدام القوة، بمعنى أنك قد تملك السلاح لكن ربما لا تستطيع إستخدامه مع الجموع، كما أن تكلفته السياسية باهظة وتؤدى أيضا الى إسقاط النظام
ومن أسباب دعوتى لإنهاء حكمك وفق معادلة الخروج الآمن التى توفرت للرئيس اليمنى على عبدالله صالح مع بعض التعديلات أن شرفك العسكرى وتاريخك السياسى سوف يُلطخان بالتأكيد فى حالة الاستمرار فى العناد ضد شعبك، فإن السيناريوهات المتوقعة لاستمرار نظامك هى تحول الاحتجاجات السلمية إلى بحور من دماء، فقد ساهمت سياستكم بشكل مباشر فى أن يتحلل السودان إلى مكونات ما قبل الدولة، وسوف تتحرك المكونات القبلية والجهوية مسلحة ضد نظامك، ما بقى من السودان هو مهدد بشكل مباشر بالشرذمة والصوملة، وستدخل التاريخ- سيدى- من بوابة تفتيت الوطن بالكامل بعد أن كنت ونظامك مسؤولين جزئيا عن تقسيمه بين شمال وجنوب. ستتحمل سيدى الرئيس أمام الله وحدك وزر إراقة دماء شعبك، والمسؤولية الأخلاقية والسياسية الكاملة عن انهيار الأوضاع السودانية إلى هذا الحد.
إن اتفاق فصائل المعارضة الشمالية فيما سمى البديل الديمقراطى والإعلان الدستورى- سيدى- خلع عن نظامك ميزة تمثيله لسودان الوسط، أى السودانيين من الأصول العربية، وهو ما يعول عليه نظامك استغلالا لمخاوف هؤلاء من سيطرة الهامش على المركز، لكن زخم ثورة الشباب- سيدى- وجماهير الأحزاب الطائفية سوف يكون كفيلا بأن يعطى قبلة الحياة لفصائل المعارضة وهى تتحرك ربما نحو مجلس وطنى مثيل للمجالس السورية والليبية. أعرف سيادة الرئيس أنك تراهن على خلافات هؤلاء فى إطالة عمر نظامك، لكن ثمن ذلك هو الوطن وسيرتك فى التاريخ، فلا تكن مثل سياد برى الذى سلّم الصومال للفوضى.



