د. مبروك عطية يكتب : أحلام يسيرة دونها أهوال «٤»
مَنْ قال بأن الزواج أمر عسير، يتطلب شبكة، ومؤخر صداق كبيراً، وأطقماً، ومفارش، وحجرات، وقاعات، وغيرها من الأمور التى تكاد تصل إلى حد الإعجاز، وقد قال لنا نبى الهدى - صلى الله عليه وسلم: «التمس ولو خاتماً من حديد»، وقال للرجل الذى لم يجد صداقاً، زوجتك إياها بما معك من القرآن الكريم، وقد قال، عليه الصلاة والسلام، لربيعة بن كعب، خادمه: ألا تتزوج يا ربيعة؟ فقال يا رسول الله، ليس عندى ما أعطى المرأة، فمنحه، عليه الصلاة والسلام، ذهباً قدمه صداقاً، وسأل أصحابه أن يعينوه، فأولم وتزوج، وكان زواجاً ناجحاً. وزوج سعيد بن المسيب نجم التابعين ابنته الحسيبة النسيبة بدرهمين، وكان زواجاً موفقاً، والنماذج على ذلك أكثر من أن تحصى، فالأصل فى الزواج وفى غيره التيسير، وما خير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وفى الحديث: «أكثر النساء بركة أيسرهما مهراً». وقد تزوج عبدالرحمن بن عوف، رضى الله عنه، بوزن نواة ذهباً، وصار من بعد صاحب ملايين، وقد عشنا زماناً وجدنا فيه كبار العائلات بدأت الأسرة فيها بحجرة وفرش يسير، ولم تكن عندهم من ثلاجة ولا غسالة ولا بوتاجاز، وفتح الله، فسكنوا القصور، وتوفرت هذه الأجهزة وغيرها، وهناك فكرة مهجورة وهى أن الحياة القائمة على تطور وتدرج تكون اللذة فيها أشد، لما فيها من تكرار اللذة، وذلك أن الإنسان إذا انتقل من غرفة إلى غرفتين فرح بتلك النقلة، فإذا انتقل من الغرفتين إلى الثلاث فرح مرة أخرى... وهكذا، وكان الناس من قديم إذا اشتروا ثلاجة طبخوا الأرز باللبن فرحة وابتهاجاً، ووزعوا على الجيران، وزارهم الناس مهنئين، وداعين الله بالبركة، وأن ييسير لهم الأمر حتى يرزقهم الغسالة كما رزقهم الثلاجة، ووضع من لا ثلاجة عنده بعض ما يحتاج إليه عندهم، فإذا هم يؤجرون على هذا الماعون ويشربون الماء البارد، وينعمون، وقد روى عن ابن عباس، رضى الله عنهما، أنه فسّر النعيم فى قوله - تعالى - «ثم لتسألن يومئذ عن النعيم» بأنه شربة الماء البارد، فإذا جاءت الغسالة ارتفعت الأكف إلى الله - تعالى - تضرعاً وشكراً، وانفرجت الأسارير، وكانت البهجة والسعادة... وهكذا، وكانت الزوجة أحياناً تناشد زوجها أن يبدأ بالغسالة، لأن بظهرها آلاماً، لا تقوى على هذا الغسيل الكثير، أما الثلاجة فيمكن تأجيلها إلى حين ميسرة، متعة، وحوار، ورجاء، وعمل وتطلع إلى رحمة الله الواسعة. أما إذا بدأ البيت بكامل أدواته فلا شك أن هذا من فضل الله - تعالى - وواسع رحمته، للقادر عليه، أما غير القادر فبوسعه أن يبدأ بما تيسر، وتأتى الأشياء جميعها تترى، وييسر الله دون جفاف ريق، وطويل انتظار، وعذاب، وعزوف أحياناً عن الزواج المرهق الذى الأصل فيه التيسير، لكن دون هذا التيسير أهوال من محاكاة الناس، والإصرار على تمام كل شىء وكماله، ولن تكمل الدنيا بحال، مهما وفرنا وجمعنا، وحرصنا على هذا التمام الذى لم يكن سبباً جوهرياً فى استقرار الحياة واستمرارها، بل رأينا كثيراً من أولئك الذين تزوجوا على التمام والكمال طلقوا بعد أيام معدودة من هذا الزواج، فأين البركة؟ وأين الاستقرار؟ وأين الاستمرار؟ ما أيسر ذلك الحلم الذى دونه أهوال من سوء العادات، والدين منه براء، فإن الدين كله يسر، ليس فقط فى مجال العبادات، حيث لم نفقه يسره إلا فيها، وإنما أيضاً فى مجال المعاملات، ومن العجب أن الذين يحفظون منهج اليسر فى العبادات ويأخذون به لا ييسرون على الناس فى المعاملة، مع أن العبادة مشروعة من أجل تهذيب السلوك، والتراحم بين الناس، ومن ذلك تيسير الزواج الذى صار شبه مستحيل لكثير من الشباب، بسبب أهوال العادات، لا بسبب شريعة الله المبنية على التيسير.



