د. ناجح إبراهيم يكتب : الزعيم يأسر الجماهير وتأسره
كانت مصر خلال الـ١٨ يوماً الأولى لثورة ٢٥ يناير قدوة.. ثم أصبحت خلال المرحلة الانتقالية الطويلة المشحونة بالاستقطابات السلبية والقتلى والجرحى عبرة.. ثم عادت قدوة مرة أخرى بعد تسلم الرئيس المنتخب د. مرسى للرئاسة وهدوء واستقرار الأوضاع.. ويمكننا أن نظل قدوة إذا تركنا السعى وراء مغانم السلطة ومناصبها.
مصر مهيأة الآن لكى تقود قاطرة الدول العربية بأن تعطى النموذج الراقى للدولة العصرية الديمقراطية الحديثة ذات المرجعية الإسلامية الوسطية التى تلتزم ثوابت الإسلام وتستغل الجزء المرن منه فى استلهام الأفكار السياسية والاقتصادية والعلمية الحديثة من الغرب والشرق.. وعلى مصر أن تعلم أنها لن تقود المنطقة بتصدير الثورة المصرية هنا وهناك عن طريق زرع الاضطرابات ونشر أفكار المظاهرات فى الدول المجاورة على طريقة ناصر وإيران.. لكن عن طريق القدوة فى العدل السياسى والعدالة الاجتماعية والتقدم الاقتصادى والتطور العلمى.. وهذا سيبهر العالم ويجعلهم يقتدون بنا دون أن ننطق بكلمة أو نستخدم لغة حنجورى الستينيات.. أو نتدخل فى شؤون الآخرين.
أفرزت الانتخابات الرئاسية تيارين جديدين بالإضافة لتيار النظام والإخوان وهما:
التيار الاشتراكى الوسطى بقيادة «صباحى».. والتيار الليبرالى صاحب المرجعية الإسلامية ويقوده د. «أبوالفتوح» وقيادات من حزب الوسط.. والآن ينبغى بلورة هذه التيارات فى أحزاب وأشكال مؤسسية رسمية تثرى الحياة السياسية بالأداء الجيد.
أهم قضية يمكن أن ترفع من أسهم د. مرسى سريعاً فى الشارع المصرى هى تحقيق العدالة الاجتماعية مع محاربة الفساد فى مؤسسات الحكومة.. وعلى د. مرسى أن يحذر من أهل الفساد فى مؤسسات الحكم ويحاربهم بذكاء.. حتى وإن أطلق أحدهم لحيته أو التحق بأى حزب إسلامى.. فحق الله والوطن فوق كل مجاملة.
وعليه ألا ينسى أن أهم أسباب ثورة يناير التفاوت الطبقى الخطير الذى حدث فى مصر حتى إن بعض المذيعين كان يتقاضى ٩ ملايين.. فى الوقت الذى لا تملك فيه قرية بأكملها مثل هذا المبلغ.. فضلاً عن تزاوج المال مع السلطة زواجاً محرماً لينجب الفساد.
خطبة د. مرسى فى الميدان ستقفز به من الرئاسة ذات التأثير المحدود إلى الزعامة ذات التأثير الشعبى والرسمى اللا محدود.. وهذا حسن لكنه خطر.. فالزعامة قد تضر بصاحبها كما أضرت بعبدالناصر.. فمن يأسر الجماهير تأسره بعد ذلك.. فلا يستطيع أحدهما فكاكاً من أسر الآخر.. فلا يستطيع الحاكم إنفاذ ما يراه فى صالح الوطن إذا لم يعجب الجماهير الآسرة والأسيرة.
فضلاً عن أن مصر لا تتحمل الآن تكاليف الزعامة، لأن لها كلفة سياسية واقتصادية وعسكرية باهظة.. ومن عاش تجربة عبدالناصر مثلنا يدرك ذلك جيداً.



