سمير مرقس يكتب : عن الثورة والدولة
فى كلمتين يمكن القول إن مسيرة التحول السياسى التى شهدتها البلاد سارت فى مسارين متلازمين فى وقت واحد: هما تحقيق مطالب الميدان الثورية، والحفاظ على مؤسسات الدولة المصرية من الانهيار - أى الجمع بين ما يمكن تسميته شرعية الميادين واستمرارية الدواوين. بلغة أخرى الجمع بين الثورة والدولة فى وقت واحد.. والإشكالية أن الثورة نقيض الدولة.. كيف؟ (١) إن أى حديث عن الثورة يعنى تغييراً جذرياً لما هو قائم، لأن هذا القائم من أبنية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية - قد فقد صلاحيته، لأنه لم يعد يلبى حاجات المواطنين. ومن ثم فقد شرعيته، لذا تعد الثورة انقطاعا عما سبق. وتصبح المهمة الأولى أمام القوى الثورية أن تقيم بنى جديدة تكون تعبيراً عن دولة جديدة. صحيح أن الحراك الثورى الذى انطلق فى ٢٥ يناير ٢٠١١ عكس إلى أى مدى بلغ الترهل مؤسسات الدولة المصرية، ما يعنى ضرورة إحداث تغيير جذرى فورى، بيد أن هناك من رأى أن ذلك قد يسبب انهيارا لمؤسسات الدولة ما يعنى الفوضى. وعليه سار التحول السياسى فى مسارين: هما محاولة تلبية مطالب الميادين ذات الطابع الثورى دون المساس بالدواوين العاملة فى بنية الدولة، التى هى نفسها كانت سببا فى الثورة فى لحظة تاريخية سابقة على الحراك بإيقاع إصلاحى تدريجى. (٢) وهنا تحديدا تكمن الإشكالية، فالإخفاق شبه التام فى تحقيق نموذج تنموى متقدم لمصر، تتوفر فيه مقومات العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والحرية السياسية - قد أدى إلى حراك ثورى أسقط الحاكم، ولكن لم يسقط أبنيته التى صنعها أو كانت نتاج عهده خاصة أن الدولة هى نتاج الطبقة الحاكمة فى لحظة تاريخية معينة. وعليه أصبحنا جميعا أمام مهمة صعبة هى كيف يمكن أن نقيم دولة جديدة ولم تزل أسباب ترهل السابقة موجودة. فدعاة الاقتصاد الحر - الذى تجاوزه العالم الغربى - يروجون له ويستعيدون المفردات نفسها التى تدور فى السياق الريعى والمالى نفسه والذى أفضل ما فيه - وبشروط - هو خوض بعض الصناعات التجميعية البسيطة. والمحصلة إعادة إنتاج الدولة التى هى تعبير عن المصالح نفسها. (٣) ويبدو لى أن النتيجة التى وصلنا إليها أنه بات مطلوباً منا أن نُحدث تغييرات جذرية فى شتى المجالات تكون قادرة على أن تقفز بنا قفزات لنواكب جديد العالم، بالدواوين المؤسسية نفسها التى أصابها الترهل وبالأفكار القديمة نفسها أو الانشغال بما هو ثقافى من حيث تقسيم الوطن إلى دينيين ومدنيين، أو مسلمين ومسيحيين، أو إسلاميين وليبراليين، دون الأخذ فى الاعتبار أن المسألة الاقتصادية الاجتماعية لب الصراع الذى استطاع أن يضع التحريريون يدهم عليه، ولكنه ضاع فى صراعات من نوع آخر. ويبقى السؤال: هل الحراك الثورى الذى انطلق من العمق يمكن أن يستمر، وهل هو قادر على أن يقوم بمهمته بمنهجية، ولو على مراحل تؤدى إلى تقدم مصر؟!



