« محمد عبدالمنعم الصاوى يكتب : رئيس بدون بندقية»
فى التراث الشعبىّ كان الأطفال يغنون: «يا عسكرى يا أبوبندقية.. تعالى مَوِّت الست ديّه»! لا أعرف سر كراهية الأطفال للسيدة التى يدعون العسكرى لقتلها هكذا مرة واحدة!! يريدون أن يقتلوها دون تحقيق أو محاكمة، فقد كان العسكرى، فى أذهانهم رمز الدولة المتكامل.. هو القاضى والجلاد.. هو المشرّع والحاكم، والمنفّذ.. كان العسكرى- من وجهة النظر الساذجة والبريئة براءة الأطفال- هو كل شىء.. هو مجمع السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية. بكل أسف، ظل هذا المفهوم قائماً طوال حقب الحكم المضطرب فى بلادنا، حتى استقر فى الأذهان، بل والضمائر أن الحاكم أو الرئيس «عسكرى ببندقية»، يُحكم السيطرة على البندقية ويوجهها لأى معارض، فيخرسه أو يعتقله أو يقتله إذا تجاوز حدوده وأَفْقَدَ العسكرىّ أعصابه.. وكيف لا يفقد أعصابه؟ أليس بشراً مثلنا؟ تقبَّل الناس منطق البندقية وصاحبها، وتعايشوا معه حتى اعتادوه، وحملوه على الأعناق. على مدى آلاف السنين لم يحكم مصر إلا الفراعنة بمسميات مختلفة، حتى عندما قامت ثورة يوليو منذ ستين عاماً لم تتغير نظرية «العسكرى أبوبندقية»! حققت ثورة يوليو إنجازات عظيمة حينما طردت المستعمر الأجنبى وانتصرت للفقراء فى عدة مجالات، إلا أنها لم تنتبه إلى خطورة بقاء أسطورة العسكرى صاحب البندقية على رأس السلطة، بل رسخت تلك الثقافة المشوهة وعمَّقتْها حتى استوطنت فى نخاع الدولة، وأصابتها بأخطر أمراض الأمم، وهو الأحادية الفكرية التى تعارفنا عليها سياسياًّ باسم «الديكتاتورية»! استسلمنا للديكتاتورية البسيطة حتى وقعنا فى فخ الديكتاتورية المركبة أو الديكتاتورية الوراثية، التى ينتقل فيها الحكم من عسكرىّ إلى عسكرىّ إلى عسكرىّ فى سلسلة لا تعرف الاستثناء أو استنشاق الهواء. اختنق الشعب، فثار بفضل الله، وبارك الله لنا فى الثورة وتضحيات أبناء الوطن من الشهداء والمصابين والمناضلين، فجاء اليوم الذى طالما حلمت به.. يوم يتولى قيادة مصر رئيس منتخب بإرادة شعبية حرة. أكاد لا أصدق أن هذه الأمنية تحققت بالفعل! يرحمك الله يا أبى، يا من علمتنى منذ كنت طفلاً فى المدرسة أن الحريات لا تُمنح، وأن قادة مصر من العسكريين لم يختاروا طريق الديمقراطية إيماناً منهم بأنهم قادرون على تولى جميع المناصب العليا وحدهم! ولِمَ لا وقد جربوا ونفعت؟! لا أشكك فى وطنيتهم، ولم يكن أبى كذلك يفعل، ولكنه رصد انحيازهم الزائد للمعايير الأمنية وفرض السيطرة التامة على الجميع لتأمين انطلاقهم نحو الرخاء والرفاهية. صفارة! أقصد ذلك الصوت الذى ينطلق حينما يقع متسابق فى خطأ واضح، وهو يجيب عن سؤال فى إحدى المسابقات التليفزيونية المليونية. لا رخاء ولا تنمية ولا تقدم عرفته الأنظمة الاستبدادية القائمة على حكم «العسكرى أبوبندقية»، لقد انتهت هذه الأنظمة واختفت تماماً، وانحسرت عن سطح الكرة الأرضية، اللهم إلا من مناطق محدودة تشتعل فيها النيران لتحرق الأعصاب قبل الثروات والأبدان! وعلى الجانب الآخر نرى الصورة المشرقة للديمقراطيات المتألقة. التنمية لا تعرف حدوداً، والإنسان هو محورها ومبتغاها، يعمل بجد، ويجنى ثمار عمله فى مناخ صحىّ يتنفس الناس فيه الكرامة والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. لقد خطونا الخطوة الأولى على الطريق الصحيح، وأصبح علينا أن نستكملها بصياغة الدستور، وتطهير جميع مؤسسات الدولة التى أصابتها أمراض عديدة تفاقمت خلال العقود الثلاثة الأخيرة. لقد دارت العجلة إلى الأمام بفضل الله ومشاركة المصريين جميعاً الذين أذكّرهم بأن هذه الفرصة قد لا تتكرر لو تقاعسنا عن أداء واجبنا فى الاستمرار فى تغذية محركها بالفكر والمجهود. ولا يفوتنى- قبل أن أختم هذا المقال- أن أوجّه حديثى إلى «العسكرى أبوبندقية» مؤكداً حاجتى الدائمة له وأنى مدرك أنه لولا سهره على حمايتى ما ذقت طعم النوم. وأوجّه حديثى إلى أول «رئيس بدون بندقية»: فلتكن بندقيتك هى الشعب الذى فوَّضك لقيادته، وفقاً لمصالحه وحده.



