مروى مزيد تكتب : تحرير ولّا منصة؟
شاهدنا الشاشة المنقسمة على قنوات التليفزيون، والروابط المتباينة على جدران الأصدقاء على «فيس بوك». هل أنت فى التحرير أم عند المنصة؟ الكثيرون أرادوا اختزال المشهد ليكون عن أنصار مرسى + الثورة، أو أنصار شفيق + المجلس العسكرى. فهكذا تبدو خصائص الأشياء ونزعتنا لتقسيم الناس إلى خانات وأدراج. ولهذا كثيراً ما حرصت على إدراج تعريف الأيديولوجيا لطلابى فى الجامعة. فمثلاً الأيديولوجيا من كلمة idea التى تعنى علم الأفكار، يعرفها قاموس علم الاجتماع باعتبارها «نسقاً من المعتقدات والمفاهيم (واقعية ومتخيلة) يسعى إلى تفسير ظواهر اجتماعية معقدة من خلال منطق يُوجه ويُبسط الاختيارات السياسية والاجتماعية للأفراد والجماعات». هلا انتبهنا لكون الظواهر «معقدة»، وفكرة أن الأيديولوجيا هى نسق معتقدات تساعدنا على «تبسيط» اختياراتنا؟ يا سلام! أشياء معقدة ومركبة تصبح بسيطة وسهلة! ما أنفع الأيديولوجيات! كنت دائما ما أشرح هذا التعريف على أنه على النقيض من التفكير النقدى الذى يجعلك تفكر «من أول وجديد» فى كل شىء وفقا لمعطيات وحقائق وليس من خلال فكر مُوجه مُعد لك سلفا، مُغلف وجاهز للاستهلاك، وبالتالى حين تستخدمه تُصبح مقروءاً ومعروفاً استباقاً نظرا لانتمائك الأيديولوجى أى الفكرى. هدفى دائماً أن أحاول أن أعلى فى ذهن طلابى أن التفكير النقدى أصعب من الانتماء الفكرى الأوتوماتيكى. لكنى رغم كل هذا، فإننى من الواقعية بما يكفى كى أُدرك أن التفكير الأيديولوجى يُوفر الوقت والجهد الذهنى الذى يتطلبه التفكير النقدى. ففى النهاية تستطيع أن تختار أيديولوجيا إما هذا أو ذاك: هل أنت تحرير أم منصة؟ لكن لماذا شعرت بالترقب وليس القلق خلال مشاهدتى هذه اللقطة التليفزيونية وكنا على بعد ساعات من إعلان رئيس الجمهورية؟ ربما لأننى اخترت أحدهما، ولكنى لم أفعل هذ أيديولوجيا! وبالتالى وفقاً لمعطيات ما، حسبت حسبة ما واخترت وقررت وسعدت بخروجى من حلقة اللاقرار المفرغة. ولكن ما إن كانت النتيجة لتُعلن سواء بنجاح هذا أو ذاك، كنت أنوى القيام بحسبة حسابات كثيرة أخرى وأُعمل نفس الفكر النقدى كى أقيم مزايا وكوارث، وليس فقط عيوبا، كليهما. فأدعم المزايا وأحاول أن أُحد من الكوارث. الأمل فى كل هذا، رغم صورة الانقسام، هو أن النتائج جاءت كما تمنيت فى مقالات سابقة بكونها قرابة ٥١٪ فقط لا يزيد، كيلا يتصور الفائز أنه امتلك دعم أغلبية المصريين، وإنما يعلم جيدا أن على عاتقه حمل مواجهة العمل الشاق كى يحصل على هذا الدعم من شعب يقف له بالمرصاد. الطريف فى كل هذا طبعا أننى حين استمعت لداعمى «مرسى» وجدتهم يقولون لى نحّ الصناديق جانبا، لأن النتيجة ستكون نتيجة قرارات سياسية. فإن سألتهم: وماذا إذا أُعلن «مرسى» رئيسا، هل هذا معناه أن النتيجة سياسية منافية للصناديق؟ هنا يقولون: «لا هذا معناه أن الصناديق تكلمت، ولكن الشق السياسى هو أن المجلس العسكرى سمح لها أن تتكلم ولم يتصد للحقيقة الجلية». ثم يضيفون: «لكن هذا مازال يعنى أن المجلس العسكرى يخطط ويدبر سبل الانتقام من مثل هذا الصعود الإخوانى». أما حين استمعت لداعمى «شفيق»، وجدتهم أيضا يقولون نحّ الصناديق جانبا، لأن النتيجة ستكون نتيجة سياسية. فإن سألتهم وماذا إذا أُعلن شفيق رئيسا، هل هذا معناه أن النتيجة سياسية، منافية للصناديق؟ هنا يقولون: «لا، هذا معناه أن الصناديق صادقة، لكن الجزء السياسى هو أن المجلس العسكرى لم يَجبُن أمام تهديدات الإخوان والأمريكان لإعلان مرسى رئيسا». ثم يضيفون: «وهذا يعنى أننا حافظنا على البقية الباقية من مصر التى نعرفها، التى سيتغير وجهها كلياً وبيروقراطياً لتصبح إخوانية المذاق، فى خلال سنة واحدة إن صعد مرسى». لا أعلم لماذا يغفل الفريقان أن الصناديق تعنى شيئاً ما إذن! وأن الأسهل من مثل هذا التفكير التآمرى أن نثق بأن الصناديق تعنى أصواتا، والأصوات تعنى أفرادا، والأفراد ممكن أن تُحشد لهذا أو ذاك لأنها أصبحت «متورطة» تورطا محمودا فى العملية الانتخابية بأنها قررت. فى الأخير، السياسة أوزان وأثقال، تحركات وقدرة على المواربة أحيانا والفرض أحيانا أخرى. الأطراف السياسية فى مصر عدة، من مؤسسة عسكرية تلعب دورا سياسيا ما لها أن تلعبه، لجماعة باتت محظورة وأصبحت محظوظة، وإن كان حظها فى مهب الريح فى كل منعطف، وقوى سياسية أخرى أشعلت ثورة شعبية لتجد أن الشعب فى «شعبية» ينقسم الآن ما بين «التحرير» «والمنصة»، كلٌ وفقا لمصالحه فى هذا المفترق. الأمل فى ألا ننكر وجود «المصالح»، ولكن نرد الكلمة سيئة السمعة لأصلها «صالح»، فنكثر من مساحات المصالح المشتركة بين أطراف عدة، دون الحكم «أيديولوجياً» على هذا أو ذاك، فندرك أن قوتنا فى وحدتنا وأيضا فى تعدديتنا وأننا هنا جميعا لنبقى!



