سمير مرقس يكتب : إلى القلقين والخائفين:المواطنة حركة.. والحركة «بركة»
منذ أن انطلق الحراك الثورى فى ٢٥ يناير ٢٠١١، انخرط المصريون على اختلافهم فى عملية سياسية غير مسبوقة فى تاريخ مصر الحديث، إلا أن درجة الانخراط تراوحت بين التوحد الكامل بالحالة الثورية، وهو ما عبر عنه «التحريريون» الذين خططوا ودعوا إلى التحرير ودفعوا ثمن ذلك: بالاستشهاد والإصابة والغياب القسرى.. وهناك من أيد الحراك الثورى وساند التحريريين.. وهناك من بارك وأثنى ماديا ومعنويا.. وهناك من تراوح فى موقفه.. وهناك من بقى مراقبا عن بعد.. وفى النهاية انطلقت عملية سياسية معقدة. (١) انطلقت عملية سياسية معقدة مزجت بين عنصرين هما: الضغط الثورى الشعبى والإصلاح السياسى، وبدا فى كثير من الأحيان أن هناك تناقضاً بين الأمرين، فمطالب الضغط الشعبى والتى هى تعبير عن الواقع المتردى لا تتم الاستجابة لها على الرغم من مشروعيتها التى اكتسبتها من التغيير الذى جرى فى التحرير وذروته إسقاط حاكم مصر، وفى المقابل كانت العملية السياسية تسير فى اتجاه تنفيذ خارطة الطريق السياسية التى تم الاتفاق عليها بين النخب السياسية. ووضح مع مرور الوقت أن التغيير الجذرى يواجه بإعاقات لأسباب تتعلق ببنية الدولة من جهة ومصالح القوى التى تم الحراك الثورى ضدها، وللضربات التى لحقت بالقوى الثورية وعدم تمكنها من الانتظام فى كيان موحد، وهى الظاهرة التى اتسمت بها الأحزاب الجديدة، حيث تعددت دون أن تنسق أو تتحالف فيما بينها، وهو ما تجلى فى العملية الانتخابية البرلمانية. (٢) فى هذا السياق الممتد على مدى العام ونصف العام- وكما ذكرنا فى المقدمة، تنوعت درجة الانخراط فى العملية السياسية. فهناك التحريريون الذين مازالوا يؤمنون بالثورة وضرورة التغيير التام، على اختلافهم، سواء من الطليعة الرقمية أو من اختبروا طعم الحراك الثورى وأدركوا أن مصر الجديدة لن تبنى إلا بالتجديد التام وليس بالسير الأعرج فى مسيرة الإصلاح السياسى أو من يؤمنون بما أطلقت عليه مبكرا فى هذا المكان «خيار الثوب الجديد»، وليس خيار «الرقعة الجديدة»، وهؤلاء تصقلهم الخبرة ويزدادون وعيا مع الوقت بالإضافة إلى روح الجرأة والمغامرة وسوف تثمر حركتهم بإذن الله. وهناك «المتأرجحون» الذين يستشعرون الحاجة إلى التغيير ولكن «نفسهم قصير» أو لم يدركوا أن العملية السياسية هى عملية لا سقف لها وممتدة، وأن تحقيق المواطنة يحتاج إلى حركة مستمرة لا تقف عند حد ولا تنتهى عند مرحلة بعينها، وأن التصويت هو عملية تحدث مرة فى العمر، أو أن المشاركة السياسية هى تسجيل اسم فى حزب من الأحزاب.. إلخ. بل العمل السياسى ذاته ما هو إلا فعل يتيم لا يتكرر كما أن أثره لابد أن يتجسد مباشرة عقب ممارسة هذا الفعل، مثل من يصوت لاسم بعينه أو قائمة معينة، وعليه لابد أن تأتى النتيجة حسب تصويته. والنتيجة هى هذا الإحساس بالقلق واليأس والإحباط والخوف مما جاء به صندوق الانتخابات. (٣) واقع الحال نحن نتفهم هذه الأحاسيس، وندرك كيف أن عقوداً من الانسداد السياسى (وهو تعبير استخدمناه فى نفس المكان منذ سنوات) منذ انتفاضة ١٩٧٧ ومنع الحق فى التنظيم والإشهار وتقييد المشاركة السياسية، قد أدت إلى ابتعاد أجيال عن العمل السياسى. وهو ما ظهر فى لجوء هؤلاء- أغلبيتهم من الطبقة الوسطى التى لم تختبر السياسة لعقود- إلى معرفة الإجابة النموذجية فى التصويت أو فهم السياسة على أنها «هوم ديليفرى» (بحسب الوصف الذى كتبناه فى تعليقنا على المشهد الانتخابى البرلمانى ٢٠١١)، أو جعل الانتماء الدينى مرشدا فى تحديد الخيارات السياسية. وكلها من توابع مرحلة الليبرالية الجديدة التى حصرت الحراك فى المجال الاقتصادى وأن الحياة بحسب المعايير العولمية هى حياة منزوعة السياسة. إنها نفس الحالة التى وصفها برتولدبريخت (وهنا نشير إلى أهمية قراءة إبداعات من سبقنا فى التقدم، حيث إن هناك كثيراً من المشاهد التى نراها فى واقعنا مرت عليهم وعبروا عنها أدباً وتحليلاً) فى مسرحية طبول فى الليل، حيث الطبقة الوسطى متأرجحة فى مواقفها ومترددة واختياراتها ليست من واقع مصالحها واندماجها فى المجتمع بقدر ما هى ردود أفعال. (٤) إن المخاوف التى تظهر عقب كل عملية سياسية لأن النتيجة لم تلب رغباتنا ربما تكون طبيعية، ولكن غير الطبيعى هو الاستسلام، خاصة أن: العملية السياسية هى عملية نضالية، وتحتاج إلى وعى وفهم وخبرة لإدراك جوهر وأبعاد وآليات العملية النضالية. الخلاصة لابد من إدراك أن ما جرى فى ٢٥ يناير لابد أن يكون ملهماً وحافزاً لنا، لأن واقعاً جديداً قد تشكل، وحديثنا حول المواطنة قبله كان يقع فى نطاق التبشير والتحفيز ولكن الحراك الفعلى فى التحرير- وغيره- جعل المواطنة فعلا تؤتى ثمارها البركة: كسر الجمود لإدراك التقدم لنا جميعا وليس لفئة على حساب أخرى.



