طارق الغزالي حرب يكتب : انتخابات أم صراع؟
أكتب هذه الكلمات قُبيل الإعلان الرسمى عن الرئيس الفائز فى تلك الانتخابات التى عادت بالأوضاع على أرض الوطن المنكوب إلى ثنائية إما الفساد والاستبداد أو حكم الإخوان، وكأن ثورة لم تقم أو نظاماً لم يسقط، على حد تعبير الرجل الكبير د. البرادعى، لم يتح السادة أعضاء المجلس العسكرى أمام الشعب المصرى الذى قام بثورة تاريخية عظيمة- فرصة اختيار رئيس يعبر بحق عن طموحاته المشروعة فى الرقى والتقدم على طريق الأمم الناهضة، وذلك من أجل الحفاظ على مكاسب ومشروعية لا تتحقق فى ظنهم إلا باستمرار النظام الذى أسقطه الشعب المصرى، فظل يرتب مسرح الأحداث ويضع السيناريوهات ويفتعل الأزمات، ليقدم فى النهاية للشعب المصرى المغلوب على أمره اختياراً مُراً بين مرشح الأجهزة القمعية الذين تمرسوا على كيفية استخدام الرشاوى والضغوط لحشد الناخبين من المناطق الفقيرة الغارقة فى ظلام الأمية والجهل وسرقة أصواتهم لصالح مرشحيهم من أعضاء الحزب الحاكم أياً كان فى الانتخابات البرلمانية أو البصم لصالح الديكتاتور الحاكم.
فى مقابل مرشح تيار الإسلام السياسى وجماعته ذات التاريخ الطويل فى العمل السرى والتنظيمات الحديدية والقدرة الفائقة على المراوغة والخداع والتكيف مع الظروف مهما كانت قاسية، والمتمرسين أيضاً على كيفية استغلال فقر الناس وأميتهم وجهلهم ومشاعرهم الدينية لحشدهم للتصويت لهم فى أى انتخابات يخوضونها.
للأسف الشديد فإننا يجب أن نعترف بالحقيقة، وهى أنه فى ظل حالة فقر مُدقع يعانى منها أربعون بالمائة من الشعب المصرى، ونسبة أمية تقرب من ثلث عدده، مع تعليم مُتدنٍ استمر ما يقرب من نصف قرن نتجت عنه حالة من الجهل تتفشى بين النسبة الغالبة من المتعلمين منهم، فإن فوز أى فصيل فى انتخابات فى مثل هذا المناخ يعتمد بالدرجة الأولى على القدرة على حشد ملايين الأصوات من المناطق الأكثر فقراً وجهلا ونقلهم إلى مراكز الاقتراع ورشوتهم بأى طريقة كانت مع غسل أمخاخهم بقليل من الكلام المعسول والمُضلِل.
من هذا المنطلق لم تكن نتيجة الانتخابات فى مرحلتها الأولى والصعود المفاجئ للسيد أحمد شفيق مُفاجئاً لى بأى صورة من الصور، بعد أن تأكدت من اتجاه قوى الثورة المضادة وعلى رأسهم فلول الحزب الوطنى المُنحل لدعمه على حساب المُرشح المحترم السيد عمرو موسى على الرغم من تصدره كل استطلاعات الرأى على مدى شهور قبل الانتخابات.. كذلك لم أتعجب أيضاً من حصول د. مرسى مرشح جماعة الإخوان المسلمين على المرتبة الأولى على الرغم من دخوله الانتخابات مؤخراً بديلا عن مرشحهم الأساسى. الذى كان يقلقنى فعلا هو ما كنت أخشاه فى الجولة النهائية بين ممثل الدولة القمعية البوليسية وبقايا عصابات الحزب الوطنى المُنحل ذات الباع العريض فى شراء الذمم والأصوات، وبين أى منافس له.
فالأول معه ثلاثة أسلحة ذات تأثير قوى كاسح فى المجتمعات الفقيرة التى ترفل فى ثياب الأمية والجهل: الأول سلاح المال الذى لا حدود له أغدقه عليه من نهبوا واستباحوا ثروات البلاد من عائلة مبارك وبقايا عصابته الذين لا يزالون يتحركون ويتآمرون بمنتهى الحرية وبدون أى مراقبة أو قيود، والثانى سلاح الأجهزة الأمنية من رجال أمن الدولة السابقين واللاحقين ومعظم أفراد جهاز الشرطة فى المراكز وأقسام المُتمرسين على ممارسة الضغوط وترهيب الملايين من أفراد الشعب البسطاء، والثالث سلاح أجهزة الإعلام العميلة حكومية كانت أو خاصة يملكها مليارديرات زمن السرقة والنهب ويمارس إعلاميوها كل أنواع الكذب والتضليل والنفاق الرخيص الذى يصل إلى حد الدعارة الإعلامية طالما يقبضون الثمن أضعافاً مضاعفة، ظانين بغباء شديد أنهم يستطيعون إقناع الناس بأنهم محايدون ولايبتغون غير مصلحة الوطن، ومراهنين فى ذلك هم أيضاً على الكتلة الأكبر من الفقراء والأميين والجهلاء.
لذلك لم أحزن بل رحبت بأن يكون منافس السيد شفيق هو أحد رجالات الإخوان المسلمين وليس أحداً غيرهم فى هذه المرحلة حتى لو كان ممن هم محسوبون على الثورة والثوار، فهم وحدهم القادرون على تحدى مرشح الثورة المضادة ومن يقفون خلفه من عُتاة الراشين المُرتشين ومحترفى التزوير والبيع والشراء فى سوق النخاسة .. فالجماعة التى يمثلها الرجل المنافس لها نفس القدرات وربما أكثر فى عمليات الحشد وسوق المرشحين إلى مراكز الاقتراع، وهم لا يقلون غنى عن الذين يدعمون السيد شفيق، وعلى الرغم من أنهم لا يستطيعون مُحاكاة رجال الدولة الأمنية البوليسية التى تدعم شفيق ولا المرتزقة فى وسائل إعلامه، إلا أنهم يستغلون المشاعر الدينية الفطرية عميقة الجذور فى نفوس الشعب المصرى، خاصة فى الطبقات الأكثر فقراً وجهلاً، ويستغلون حياة البؤس التى يعيشونها فى عمليات حشد الناس وسوقهم إلى مراكز الاقتراع بتنظيم هم مُدربون عليه تماماً ويمارسونه بحرفية وإتقان منذ زمن .
الصراع إذن ياسادة كان بين القوتين الوحيدتين اللتين كانتا للأسف الشديد غلى الدرجة التى تسمح لهما بالمواجهة المتكافئة.. صراع لا مكان فيه لقوى ثورية مثالية أو مبادئ أخلاقية أو برامج عملية.. إنه صراع ديناصورات لا علاقة له بما يعرفه العالم المتحضر من انتخابات.. إشباع البطون وتنوير العقول وإصلاح الأخلاق هى شروط نزاهة أى انتخابات كمظهر من مظاهر الديمقراطية التى مازلنا بعيدين عنها بفراسخ!
حُلم راودنى: شعور غريب انتابنى طوال الأسبوع الماضى الكئيب الذى عاش فيه الوطن المصرى كله على أعصابه.. ففى ظل حالة الاكتئاب القومى العام السائدة خطر لى ماذا لو شاء الله وأنزل إلينا من عليائه كوكب الشرق أم كلثوم التى رحلت إلى رحابه، ليلة واحدة تحيى لنا فيه حفلا ليلة الخميس تشدو فيه بكلمات رامى وألحان السنباطى، ليترك الشعب المصرى كل شىء وراءه وينسى خلافاته ويجتمع حول صوتها الشجى كما كان يفعل على مدى ما يقرب من نصف قرن، يستمتع ويطرب ويرق قلبه وترهف أحاسيسه، ثم تعود هى إلى سمائها، ونعود نحن إلى ساعات من الإحساس بالجمال والألفة والصفاء.
اعذرونى فإنه مجرد حلم من أحلام اليقظة.



