حلمى النمنم يكتب : أنور عبدالملك
لم ننتبه بالقدر الكافى إلى رحيل الباحث والمفكر البارز د.أنور عبدالملك، الذى غادرنا يوم الهول، ظهر السبت الماضى، والكل منشغل وفى حالة احتراب حول جولة الإعادة فى الانتخابات الرئاسية، ومن المهم، فى هذه اللحظة، أن نتذكر ونستعيد بعض أفكار ورؤى د. أنور حول مصر وموقعها من العالم وما يدور على أرضها وبين أهلها. كثير منا يرون أن مصر دولة عظيمة ورائدة فى محيطها وإقليمها، لكن د. أنور كان يرى أن مصر مؤثرة فى التوازن الدولى كله، وتغيير العالم.. ولم أجد من يؤمن بمثل هذا الرأى، غير د. أنور، إلا الراحل د. سليمان حزين، رغم التباين بين التوجه الفكرى للاثنين، كان الأول يساريا ماركسيا، وكان الثانى ليبراليا.. يهمنا الآن دراسة د. أنور لنهضة مصر فى رسالته للدكتوراه بالسوربون سنة ١٩٦٩، والتى ركز فيها على أن النهضة المصرية منذ عصر محمد على تمحورت حول مدرستين.. التحديث والليبرالية بكل مكوناتها وتشعباتها والمدرسة الإسلامية أو الأصولية، الأولى رأت أن تأخر مصر بسبب عدم لحاقها بالنهضة والحداثة الأوروبية، والثانية رأت التأخر فى الابتعاد عن أصول الإسلام ومبادئه العليا، وحين قامت ثورة يوليو ١٩٥٢ اعتبرها مؤشراً على ضرورة تحالف القوى الوطنية، ممثلة فى الشعب والجيش، وصاغ كتابه الشهير عن المجتمع الذى يبنيه العسكريون والجيش باعتباره قوة وطنية.. واعتبر د.أنور أن الصدام الذى وقع بين الضباط الأحرار والإخوان المسلمين سنة ١٩٥٤، وبين الدولة والقوى اليسارية فى سنة ١٩٥٩ هو «حرب فى الظلام» بين القوى الوطنية، وهو وصف يقترب من وصف د. حسن حنفى بأنه «صدام فى الظلام».. ونحن الآن فى لحظة مشابهة وتقترب من لحظة ١٩٥٤، حيث الاستقطاب حاد.. واللغة عنيفة وعدوانية لدى كل طرف، والتجريح بلغ مداه بين التيارات المدنية وتيارات الإسلام السياسى، والمجلس العسكرى ممسك بالسلطة وحاضر بقوة فى المشهد، ويتوقع البعض تكرار مشهد «الحرب فى الظلام»، صحيح أن التاريخ لا يكرر نفسه، ولكن ذلك حدث عندنا من قبل، فنحن لا نستوعب تاريخنا ولا نتعلم من أخطائنا، مشهد يونيو ١٩٦٧ لا يختلف إلا فى التفاصيل عن مشهد ١٨٤٠، حين ضرب الجيش المصرى وأعيد من الشام مهزوماً مكسوراً. التجربة المصرية فى التاريخ الحديث والمعاصر تمحورت حول المدرستين الكبيرتين، كما تحدث عنهما أنور عبدالملك، الليبرالية والإسلامية.. ومن ثم لا مفر من وجودهما معاً، ولا يمكن لطرف أن يزيح الآخر أو يفترض عدم وجوده، الخسارة هنا ستكون فادحة للطرفين ولمصر كلها، وليت الجميع يستوعبون تلك «الحقيقة التاريخية»، ولا يستبد بأحد غرور القوة وغطرسة امتلاك الحقيقة المطلقة وتمثيلها على الأرض وبين المواطنين. تحركت القوى الوطنية مراراً، وكان الضغط الأجنبى قوياً وعنيفاً، لكن التشرذم وحروب الظلام كانت عنصراً فاعلاً فى الإخفاق والفشل الوطنى. وحين قامت ثورة ٢٥ يناير وتمت تنحية الرئيس مبارك، لاحظ أنور عبدالملك، أننا وقفنا عند «المحاسبة والعتاب والإدانة والإقصاء»، واعتبر ذلك «مساراً سلبياً»، مطالباً بأن نتجه بكل قوانا إلى المستقبل، وراح يتحدث عن تجربة ديجول فى تجميع القوى الوطنية الفرنسية منذ سنة ١٩٤١، بعد الاحتلال النازى لفرنسا، عبر برنامج ودستور عمل واضح، وتحدث كذلك عن تجربة نلسون مانديلا وجنوب أفريقيا بعد سقوط الفصل العنصرى.. أخذ هو على الأحزاب الجديدة والتجمعات الشبابية والائتلافات غياب الأفكار والبرامج. لم نودع أنور عبدالملك بما يليق ويستحق، وتجاهلناه كثيراً، رغم أنه عاش عمراً مديداً- ٨٨ سنة- لكننا بحاجة اليوم أن نستعيد الكثير من أفكاره ورؤاه، لقد ظل قابضاً على الجمر، يعزف وحده طويلاً، فى ظل هيمنة العولمة، كان يبشر بعالم متعدد الأقطاب، ومع السيادة الغربية والأمريكية دعا إلى التوجه شرقاً، ولما غرب البعض منا وشرق البعض الآخر، اعتصم هو بمصريته مردداً «الوطنية هى الحل». على المستوى الشخصى كان الرجل منصفاً، هو المواطن المصرى المسيحى.. الماركسى، امتلك من الإنصاف والنزاهة الفكرية والعلمية ما أتاح له أن يرسى مكونات مصر الاجتماعية والحضارية.. الوطنية والإسلامية.



