على السلمى يكتب: عود على بدء
بعد عام ونصف العام منذ قيام ثورة ٢٥ يناير، يجد المصريون أنفسهم وقد عادوا إلى نقطة البداية مع اختلاف المعطيات. فالمشهد الآن يبدو أكثر اختلاطا واضطرابا مما كان عليه على مدى الأيام الثمانية عشرة المجيدة، التى انتهت بتخلى الرئيس السابق عن منصبه وتكليفه للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بمسؤولية «إدارة شؤون البلاد». ولقد بدأ المجلس مهامه فى إدارة الدولة بإصدار إعلان دستورى فى ١٣ فبراير ٢٠١١ جاء فى مقدمته: «إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة وعياً منه بهذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الوطن ووفاءً بمسؤولياته التاريخية والدستورية فى حماية البلاد، والحفاظ على سلامة أراضيها، وكفالة أمنها... وذلك بتهيئة مناخ الحرية، وتيسير سبل الديمقراطية من خلال تعديلات دستورية وتشريعية تحقق المطالب المشروعة التى عبر عنها شعبنا خلال الأيام الماضية، بل تتجاوزها لآفاق أكثر رحابة... إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يؤمن إيماناً راسخ بأن حرية الإنسان وسيادة القانون وتدعيم قيم المساواة والديمقراطية التعددية والعدالة الاجتماعية، واجتثاث جذور الفساد- هى أسس الشرعية لأى نظام حكم يقود البلاد فى الفترة المقبلة، كما يؤمن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الإيمان ذاته بأن كرامة الوطن ما هى إلا انعكاس لكرامة كل فرد من أفراده والمواطن الحر المعتز بإنسانيته هو حجر الزاوية فى بناء الوطن القوى، وانطلاقاً مما سبق وبالبناء عليه ورغبة فى تحقيق نهضة شعبنا... فقد تضمن الإعلان الدستورى مجموعة من القرارات، منها أن يتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد بصفة مؤقتة لمدة ستة أشهر أو انتهاء انتخابات مجلسى الشعب والشورى ورئيس الجمهورية، وتوليه إصدار مراسيم بقوانين خلال الفترة الانتقالية. كما تم تعطيل العمل بأحكام الدستور، وحل مجلسى الشعب والشورى. وتضمن إعلان ١٣ فبراير تشكيل لجنة لتعديل بعض مواد الدستور وتحديد الاستفتاء عليها من الشعـب، وتكليف وزارة د. أحمد محمد شفيق بالاستمرار فى أعمالها لحين تشكيل حكومة جديدة، وإجراء انتخابات مجلسى الشعب والشورى، والانتخابات الرئاسية». وقد كان هذا الإعلان الدستورى وما احتوى عليه من نوايا طيبة وما أثاره فى نفوس الثوار من اطمئنان- باعثا على الأمل فى بداية مبشرة لمرحلة انتقالية يتم خلالها إنجاز المطالب المشروعة للثورة، بل حتى تجاوزها لآفاق أكثر رحابة، كما ورد فى نص الإعلان. ولكن للأسف فقد كانت الآمال بعيدة كل البعد عن الواقع متمثلاً فى «خارطة الطريق» التى اختارها القائمون على إدارة البلاد، فقد فضلوا عدم البدء فى وضع دستور جديد، والبدء بتعديلات على دستور ١٩٧١ المعطل وإجراء استفتاء عليها. وجاء الإعلان الدستورى فى ٣٠ مارس ليحدد فى مادته رقم ٤١ موعد الانتخابات التشريعية فى خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به، أى كان مقرراً لها أن تتم فى الثلاثين من سبتمبر، ولكن تأجلت انتخابات مجلس الشعب إلى الثامن والعشرين من نوفمبر ٢٠١١ وتلتها انتخابات مجلس الشورى فى يومى ٢٩ يناير ٢٠١٢. وكان لموقف جماعة الإخوان المسلمين دور واضح فى تزيين واستحسان البدء بالانتخابات التشريعية وصرف الاهتمام عن قضية الدستور معارضين فى هذا الأحزاب والقوى السياسية المتواجدة على الساحة المصرية التى بحت أصواتها مطالبة «بالدستور أولاً». ومن المفيد أن نستعيد معاً بيان المرشد العام للجماعة أ. د. محمد بديع بمناسبة إصدار الإعلان الدستورى فى ١٣ فبراير، إذ جاء فى البيان: «إن الثورة الشعبية العظيمة التى قام بها شعب مصر البطل لتغيير حياته وأحواله تغييرًا جذريًّا، والتى فتحت الباب على مصراعيه للإصلاح والبناء، وللوحدة والترابط، وللتقدم والنهوض- تستوجب المشاركة الوطنية بين كل الفئات لرسم طريق السير إلى المستقبل الزاهر، بإذن الله. وإذا كنا قد دخلنا فى مرحلة جديدة سببتها التعقيدات الدستورية التى نشأت نتيجة الإفساد الدستورى الكبير والمتكرر الذى قام به النظام البائد، وسماه زورًا وبهتانًا «تعديلات دستورية»، فإن الشعب كله يتطلع لإزالة هذا العوار الدستورى الذى يتناقض فى حقيقته مع مبادئ الدستور وقيمه الراسخة، بتعديل كل المواد التى تكرس السلطة فى يد فرد، وتخوله العدوان على الحريات العامة وحقوق الإنسان، وتخضع له السلطات كافة، والإبقاء على الأبواب والمواد العظيمة التى يتضمنها الدستور. يؤكد الإخوان المسلمون بدء خطوات الإصلاح بانتخابات برلمانية نزيهة تحت إشراف قضائى كامل، وإننا- ونحن نثق فى جيشنا العظيم والتزامه وضمانه للعهود التى قطعها على نفسه- إنما نتطلع إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لا تحتاج لوقت فى إصدارها، ووضع برنامج زمنى للخطوات التى أعلنها فى الإعلان الدستورى الذى أصدره اليوم... إن من شأن التعجيل بذلك كله أو إعلان زمن محدد لتنفيذه- أن يطمئن الشعب ويثلج صدره، ويعمِّق الثقة بين الجيش والشعب ويشيع الأمن والأمل فى ربوع البلاد. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. الإخوان المسلمون». القاهرة فى ١٠ من ربيع الأول ١٤٣٢هـ الموافق ١٣ من فبراير ٢٠١١م . إن الدعوة المحورية لبيان المرشد العام هى التأكيد على ضرورة التعجيل بالانتخابات التشريعية دون أى إشارة للدستور الجديد سوى المطالبة ببضعة تعديلات دستورية محدودة. والآن، وبعد أن مضى عام ونصف العام على الثورة، عدنا إلى نقطة الصفر أو ما دونها. فالإنجاز الوحيد- وهو مجلس الشعب المنتخب- تم حله بحكم المحكمة الدستورية العليا لعدم دستورية القانون الذى أجريت الانتخابات وفقا له، وكذلك هناك تساؤلات عن مصير مجلس الشورى. والجمعية التأسيسية للدستور فى وضع لا تحسد عليه إذ بات مصيرها غامضاً بعد حل مجلس الشعب، وقد شهدت الشهور الماضية محاولات لتحقيق توافق وطنى حول معاييرها كان نصيبها كثيراً من التعنت ومحاولات الاستحواذ من جانب حزب الحرية والعدالة وأحزاب تيار الإسلام السياسى. ومن ثم فقضية وضع الدستور الجديد مازالت تراوح مكانها حتى تستقر أوضاع الجمعية التأسيسية مع الأخذ فى الاعتبار أن التشكيل الثانى للجمعية الذى تم فى الاجتماع المشترك لأعضاء مجلسى الشعب والشورى المنتخبين يوم ١٢ يونيو الماضى- مخالف لحكم القضاء الإدارى وفق تنفيذ التشكيل السابق. ويزيد من دقة الموقف الآن ، بعد حل مجلس الشعب، أن عادت السلطة التشريعية إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقد سبق له الالتزام بتسليم سلطته إدارة شؤون البلاد إلى السلطة المدنية المنتخبة فى موعد أقصاه ٣٠ يونيو الحالى حتى يمارس الرئيس المنتخب سلطاته من أول يوليو. فالأمر يتطلب أن يصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقبل نقل السلطة، إعلاناً دستورياً يحدد اختصاصات وصلاحيات رئيس الجمهورية، فضلا عن تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور وقواعد التصويت على مواده. كذلك فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة مطالب بإصدار مرسوم بقانون لتعديل قانون انتخاب مجلس الشعب لإزالة ما به من عوار دستورى ودعوة الناخبين إلى انتخاب مجلس جديد فى غضون فترة قريبة. وقد يكون من المفيد تعديل المادة السابعة من القانون رقم ١٢ لسنة ٢٠١١ بتعديل بعض أحكام القانون رقم ٤٠ لسنة ١٩٧٧ الخاص بنظام الأحزاب السياسية وذلك لتخفيض عدد مؤسسى الحزب إلى ثلاثة آلاف بدلا من خمسة آلاف مؤسس، كما هو منصوص عليه فى القانون السارى. إن أزمة حل مجلس الشعب، وتعثر تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور، وما أصاب المشهد الوطنى من ارتباك فى المرحلة الانتقالية- يمكن الاعتبار بها فى محاولة لرسم خارطة طريق جديدة بهدف تحقيق التحول الديمقراطى الصحيح وإنجاز أهداف الثورة والوفاء بالأمانى الوطنية. عاشت مصر وسلمت من كل سوء.



