د. الصاوى محمود حبيب يكتب : جامعة النيل والدكتور زويل «٢»
ولد الدكتور زويل فى مصر، وعاش فيها ٢٣ عاما، حصل فيها على التعليم المجانى الذى أتاح له أن يسافر إلى الولايات المتحدة ليعيش فيها ٤٣ عاما حتى الآن صنعت منه باحثا علميا ومنحته جنسيتها وانخرط فى سلك علمائها الكبار ليقود فريق متخصص فى أبحاث الليزر فى معهد كالتك يتكون من ١٢٠ باحثا أساسيا ليس فيه من العرب إلا حفنة لا تتجاوز أصابع اليدين ليحصل على جائزة نوبل.
استطاع الدكتور زويل أن يغير الصورة النمطية القديمة للعالم الذى لا يهتم بمظهره الخارجى أو شكله العام أو تناسق ملابسه الكثير السرحان الذى لا يعرف العلاقات الاجتماعية ولا يتكلم إلا فى العلم. أصبحت صورة الدكتور زويل النموذج المحبب لوسائل الإعلام تلمع من حولة الأضواء ويبدو فى الفضائيات كالنجوم شديد الأناقة مصفف الشعر، يتكلم عن التعليم والبحث العلمى والسياسة والاجتماع والاقتصاد وهكذا تغيرت صورة العالم من نموذج ألبرت أينشتاين القديم إلى نموذج أحمد زويل العصرى.
اتيح للدكتور زويل ما لم يتح لغيره من العلماء فقد زار بلاد العالم جميعا شرقا وغربا من الصين إلى الدول الإسكندنافية ومن السعوديه والأردن إلى إسرائيل والفاتيكان وزار هذه البلاد قبل حصوله على جائزة نوبل وبعدها قابل فيها الرؤساء والصفوة ورجال الإعلام وعرف العالم بالليزر والفيمتو ثانية وأصبح الدكتور زويل مواطنا عالميا وأستاذا فى العلاقات العامة وهو فى هذا يشبه أستاذه ليونوس بولنج، الذى حصل على جائزة نوبل فى الكيمياء ثم أصبح داعياً للسلام وحصل على جائزة نوبل مرة ثانية فى السلام فكلاهما برع فى تخصصه العلمى الى جانب نشاطه فى الشأن الاجتماعى العام.
بعد حصوله على جائزة نوبل كعالم أمريكى كرمته مصر فمنحه مبارك أرفع أوسمتها الذى يمنح لروساء الجمهوريات وأصدرت الدولة طابع بريد باسمه وكرمه الفن فغنت له مصر باسمه وسميت بعض المدارس باسمه، بل إن البعض رشحه بعد الثورة لرئاسة الجمهورية ولكن جنسيته الأمريكية وإعلانه عدم قبوله الترشح وأد الفكرة وفى كل هذا لم تكن مصر مدينة له بشىء ولم تكرمه الولايات المتحدة بأكثر مما تكرم غيره من علمائها الحاصلين على نوبل. ولا تنتظر منه مصر ومن زملائه من العلماء الذين ينتشرون فى الدول الكبرى أكثر من أن يقيموا مدارس علمية فى تخصصهم يتمرن فيها علماء بلادهم وليتهم يعملون، كما فعل علماء اليابان المغتربون الذين مارسوا الهندسة العكسية، على تكنولوجيا الغرب ليعيدوا صناعتها فى اليابان أكفاء وأقل تكلفة وكذلك علماء الصين فى الخارج الذين نقلوا خبراتهم لبلدهم لتصل إلى ما وصلت إليه الآن.
وإذا كان أكثر ما يتكلم عنه الدكتور زويل هو إصلاح التعليم فى مصر وإنشاء مراكز متميزة فلا يوجد بلد فى العالم تم إصلاح التعليم فيه بخبراء من الخارج وإذا كان من الممكن إصلاح الاقتصاد أو تحديث الصناعة أو الارتقاء بالخدمات أو تطوير النظم العسكرية بخبراء من الخارج، فإن التعليم لا يمكن إصلاحه إلا على أيدى أبنائه،
بالإضافة إلى أن خبرات الدكتور زويل البحثية فى معهد كالتك أتاحت له أن يصمم الكاميرا التى ترصد التفاعلات الكيمائية وقت حدوثها بالليزر فى زمن الفيمتو ثانية وهذا يختلف عن إدارة جامعة بحثية أو رئاسة مجلس أمنائها، بالإضافة إلى أن الدكتور زويل لا يزال يعمل أستاذاً فى معهد «كالتك»، ولا يمكن أن يتفرغ لعمل آخر.
فكرت أول حكومة للثورة أن الرأى العام سيرحب بتحويل جامعة النيل إلى مدينة زويل، لأن حفنة من رجال أعمال مبارك اشتركوا فى إقامة جامعة النيل ومنحهم رئيس وزراء مبارك أرضاً واسعة لإقامتها بأسعار رمزية، وتصوروا أن هذا يكسبهم رضا الثوار ورضا الدكتور زويل أيضا، صاحب الشعبية الواسعة وهذا غير صحيح بالمرة فقد قامت الثورة لغياب العدالة الاجتماعية وحدوث الإقطاع العقارى الذى أتاح لرجال الأعمال أصدقاء مبارك الحصول على الأراضى بأسعار زهيدة، ليقيموا عليها المنتجعات والمساكن الفاخرة والفنادق عشرة نجوم بقروض بنكية من مدخرات المصريين، ليحققوا أرباحاً طائلة يهربونها للخارج وهذا بعيد عن جامعة النيل، لأنها جامعة نموذجية للعلم والبحث العلمى تنافس الجامعات الأجنبية العريقة وتصرف أبناء القادريين عن الالتحاق بالجامعات الحكومية،
وتفدم منحاً للمتفوقين، فهى إذا ليست فندقاً أو منتجعاً، له علامة تجارية يمكن تغييرها بين يوم وليلة بقرار من أول رئيس وزراء للثورة لتصبح جامعة النيل بكل ما فيها برئيسها وأساتذتها وطلابها ومدرجاتها ومعاملها وإنشاءاتها. مدينة زويل فكيف يمكن أن يحدث هذا وتحت أى بند أو قانون، وعموما فإن وزارة التعليم العالى هى المسؤولة عن الجامعات الخاصة ولها عليها الإشراف المالى صلاحية المبانى والإنشاءات، وهى التى تراجع المناهج والمقررات وعليها أن تتأكد من أن هذه الجامعة جزء من نسيج الوطن تلتزم بنظمه وقوانينه وهو ما تحققه جامعة النيل، التى ينبغى أن تستمر لتشق طريقها فى تحديث التعليم الجامعى والبحثى فى مصر.
elsawyhabib@gmail.com



