أحمد سمير يكتب : في رثاء المجلس العسكري وطوابيره وحبره الفوسفوري
أنا التزم.. أنا أعد ..أنا لا التزم بوعدي.
مضى ستة عشر شهرا ولم تمض الستة أشهر، ومن قالوا إن مهمتهم تسليم السلطة للشعب فعلو كل شيء إلا تسليم السلطة للشعب.
المجلس العسكري سيترك السلطة في 30 يونيو، لكنه سيحتكر السلطة التنفيذية عبر حكومة عينها وسيحتكر السلطة التشريعية بعد حل البرلمان، وسيختار من يكتبون الدستور، ثم يعترض على المواد التي سيصيغها من اختارهم إن أراد، لا تهم هذه التفاصيل التافهة، المهم أنه سيترك شيئًا ما لا نعرفه يوم 30 يونيو.
ننتخب رئيسًا بصلاحيات حددها العسكر، ووفقًا للإعلان الدستوري لن يقود الرئيس القوات المسلحة..لا يهم ..المهم أننا سننتخب رئيسًا.
الآن.. أصبح أي فرد شرطة عسكرية بإمكانه اعتقالنا من الشارع بضبطية قضائية، وبينما كنا نتشاجر حول شكل الدولة حكموا هم الدولة.
فتحت شعار «نعم نستطيع.. لكننا لا نريد» أدار العسكر المرحلة الانتقالية، لنكتشف أن التحول الديمقراطي هو أن تُصدر إعلانًا دستوريًا وقانون مجلس شعب، ثم يحكم القضاء بأنهما متعارضان، فتنفرد بالحكم وحدك للأبد مكافأة على فشلك.
وهكذا.. يؤمن محمد حسين طنطاوي الذي عينه مبارك وزيرًا للدفاع في مايو 1991 بأن الديمقراطية طوابير وأصابع ملطخة بالحبر الفسفوري، دون أن يتجسد هذا في أي سلطة تشريعية أو تنفيذية.
كل الطوابير انتهت إلى لاشيء.. المجلس العسكري سلّم السلطة للعسكر بعد موسم من الكرنفالات الانتخابية المبهجة لننتقل من مرحلة «لا دستور تحت حكم العسكر» إلى مرحلة «لا دستور يكتبه العسكر».
كل مرة كان العسكر ينقلبون على النتيجة لأن المنقلب عليه الإسلاميون، الطرف الأقوى انتخابيًا والأجبن ثوريًا، ولكن تحقير الانتخابات ليس مجرد ألاعيب سياسية لضرب تنظيم الإخوان وإنما قتل للديمقراطية.
كنا نتمنى أن نرى وطنًا فرأينا صراعًا على وطن، ومن يريدون إفشال مشروع الإخوان أفشلوا مشروع الديمقراطية.
فكرة استنزاف الإخوان عبر أن ينتخبهم الناس ولا يحكموا، فيتصاعد الغضب ضدهم قد تكون فكرة لطيفة لإدارة ملهى ليلي في شيكاغو ولكنها ليست الطريقة المثلى لبناء وطن.
يشتد الصراع.. ويهدد بأن يلحق خيرت بعبد القادر عودة، أو أن يلحق طنطاوى بمبارك، عمومًا لا أحد يهتم بصراعهم.. ولكننا جميعًا نهتم بأن فشلنا في بناء دولة ديمقراطية سيتبعه فشل آخر في بناء استقرار سياسي ودولة استقلال وطني ورفاهية اقتصادية.
والآن.. المجلس العسكري يفرد ذراعيه مثل أبو تريكة عقب إحرازه هدفًا، ووسط ركام العبث لاشيء مؤكد سوى أن البعض يؤمن بأن مبارك فكرة ولا يمكن تموت.
(2)
المجلس العسكري.. أكون أو لا تكونوا.
حذرنا الإخوان من التجربة الرومانية وتخوف الثوار من التجربة الباكستانية فانتهى الأمر بنا بدون تجربة أساسًا.
في أكتوبر 1993 أصدر مبارك قرارًا جمهوريًا بترقية طنطاوي إلى رتبة مشير، وفي يونيو 2012 حاصرت مدرعات المشير برلمانًا انتخبه 27 مليون مصري في انقلاب أسموه لسبب ما «انقلاب ناعم».
إنها فترة انتقالية.. وفى الفترة الانتقالية هناك دماء شهداء 8 أبريل وشهداء 9 سبتمبر وشهداء محمد محمود وشهداء مجلس الوزراء، ولكن ليس هناك جمعية تأسيسية ولا دستور ولا برلمان ولا حكومة منتخبة.
واليوم.. لم يبق من الثورة إلا إلغاء التوقيت الصيفي، والوطن يحتضر غرقًا في دوامات الدولة العميقة، بينما قائد الحرس الجمهوري الأسبق يدير البلد على طريقة «البضاعة معايا.. والفلوس كمان معايا».
خسرنا المواجهة ولا شك، ولكن من قال إننا وحدنا البائسون أو أن هناك من انتصر علينا، القاعدة الأولى التي يعلمها الرجل العسكري «لا أحد ينتصر في المواجهات الأهلية».
كان سيكتب في كتاب التاريخ الصف الثالث الإعدادي أن هناك من حكموا فسقط فى عهدهم شهداء ثم سلموا البلد إلى رئيس منتخب وبرلمان منتخب.. الآن لن يبقى من ذلك سوى جملة «هناك من حكموا فسقط فى عهدهم شهداء».
وبذلك، يوم ما سينعقد مجمع اللغة العربية لاستبدال جملة «ديكتاتور لا يهمه مستقبل وطنه» بلفظ «مجلس عسكري» اختصارًا، ويشاع أن قناة النهار طلبت من أعضاء المجلس العسكرى تقديم الموسم الثانى من برنامج «سنوات الفرص الضائعة»، الذي يقدمه مصطفى الفقي الآن.
جنود المماليك حكموا قرنين ونصف القرن ليواجهوا المغول وهى نفس المهلة التي ينتظرها جنود العسكري لتأمين ظهورهم كي لاتحاسبهم سلطة مدنية منتخبة.
من أفشل الانتقال الديمقراطي سيدفع ثمن الانتقال غير الديمقراطي، ومن يهدم اللعبة سيحولها لجد.
إنهم يخرجون لنا لسانهم.. لكن هكذا يفعل المشنوق.



