تفاصيل إقتحام السلفيين لمعرض ربيع الفن في تونس
قرطاج: حكيمة الوردي
إفتتح فنانو "تونس" التشكيليين والنحاتين ومنظمو حدث "ربيع الفن" في هدوء تام، وظهرت دعاية متوازية مع قيمة الحدث حيث تواجدت به مئات من وسائل الإعلام السياسية والثقافية العربية منها والأجنبية، وجعلت موعده على الساعة 5 مساءً في قصر "شرم العبدلي" بمنطقة "المرسى" في "قرطاج" للتعبير عن رفض كل أشكال الرقابة والتزامهم بحرية التعبير وكانت جريدتنا "العلم" معهم تواكب هذا الحدث الكبير وللتأكد من صحة خبر تهديد السلفيين باقتحام معرض "المرسى" لكنهم لم يوفوا بوعودهم يومها.
ومر اليوم تلو اليوم في هدوء ونحن نتابع جديد التطورات إلا أن يوم الأحد الماضي لم يمر كالعادة فقد إقتحمت جماعة من فصيل السلفيين ومعهم محامي وعون قضائي وتلفظوا بتهديداتهم ظهرا، وعبر 4 آخرون عن عدم رضاهم عن بعض الأعمال المعروضة وطلبوا من الفنانين التشكيلين إزالتها قبل الساعة 5 مساءً لأنهم سيعودون إليهم، فطردهم الأخيرين شر طردة بالإستهجان عليهم وبزغاريد النصر وقالوا لهم نحن نريد "الحصول على حياة كريمة وسليمة تماما".
وبعدها قال مصدر من قاعة العرض "يسر بن عمار" لنا بأن شرطيين حضروا وطالبوا بإزالة لوحتان للفنان "محمد بن سلامة" الذين إحتج عليهما جماعة السلفيين لكن "سلامة" رد عليهم بقوة وقال لهم لن أزيل أي لوحة وطالبهم بالحضور في موعد حضور السلفيين مساءً لكي ينتظروا عودتهم سوياً، وأضاف سنرى من الذي سيبقى الفن أم هم؟؟؟ هل هي تونسنا أم تونسهم؟؟؟
وقال الفنان "محمد سلامة" غاضباً لدي مبادئي ولن يجرئ أحد أو يوجد أحد لكي يعلمني دروسه، من هؤلاء الناس الذين يريدون أن يملوا علي سلوك بلدي؟؟؟ ولدي الحق في التعليق.
حينها أغلقت قاعات المعرض لوقت قليل، وجاءت دعوات النجدة على مواقع التواصل الإجتماعي الـ"فيس بوك" و"تويتر" لأصدقائهم ومحبيهم لمساندة هؤلاء المبدعين ضد رافضي الإبداع والذين يريدون أن يضعوا قيودا على حرية التعبير وتكميمها.
وذهب عدد كبير من الفنانين والشعراء والكتاب والمثقفين وفناني التشكيل والنحت ومحبيهم ومسانديهم وأطفالهم والصحفيين وقسمين من التكتل وجمهوري وناشدوا محبيهم بالتزام الهدوء، وكان لسان حالهم ينطق لا يمكن للحرية التي وجدناها مع سقوط الدكتاتورية يمكن أن يسرقها منا حفنة من المتطرفين الدينيين تحت ضغطهم، لكن الجميع كان يريدها سلمية ولا يتمنى أن تقوم حرب بينهم.
وهنا كان عددنا كثير داخل القصر عندها حضر اثنين من السلفيين وحصلت مناقشات بينهم وبين الحضور دون مشاكل. هؤلاء السلفيين توافقا على وجوب حظر العنف، وأنه يجب على التونسيين أن يحترموا بعضهم لأن لكل فرد الحق في التعبير عن نفسه، ولكن المشكلة هي أن مفهوم الحرية وحرية التعبير في الحقيقة ليست هي نفسها بالنسبة لهم وبالنسبة لنا.
ووفقا لأحد السلفيين الذي سمعته قال أن الفنانين ليس لديهم الحق وليست لهم حرية في التعبير عن أنفسهم بطريقة مخالفة للإسلام، أو رؤية الإسلام.
ودخل 3 آخرين لديهم جولة، رأوا الأعمال الفنية، وناقشا اللوحات مع الحاضرين ثم غادر 2 منهم بهدوء.
ثم سمعنا بعدها صوت عالي من صالات العرض. جئت لرؤية ما يحدث وكان ثالثهم هناك بجانب لوحة "سوبرمان الذي سينقذ التونسيين من السلفيين" وأقام الدنيا ولم يقعدها إلا أن أخرجوه وحينها لم ينسى أن يمثل أمام القنوات الفضائية وأصبح الجو مثل السيرك إلى أن عاد الهدوء بعد خروجه.
بعدها وجدت صديقتي المصورة الفوتوغرافية "مروى جوابي" تستدعيني للخارج حيث كان صوت الضجيج يقترب.
وبعد خروجنا وجدنا رجال الشرطة وبجوارهم مجموعة من السلفيين الذين تم اعتقالهم. وقيل لنا أنهم كان عددا كبيرا جدا، ولكن الشرطة تمكنت من تفريقهم. ولم يتبقى سوى عدد قليل من الرجعيين أمام القصر.
فأصبحنا الشرطة والسلفيين على جانب واحد، ونحن على الجانب الآخر. كان صوتهم عالي، وتعالت هتافاتهم بشعارات قليلة: "جايا جايا آل الخلافة"، "نحن لسنا مستأجرين في هذا البلد"، "هذا بلد مسلم من قبل 1400 سنة وستبقى كذلك"....
فيما حاول رجال الشرطة لاستعادة النظام بعد ذلك على جانب واحد تفريق السلفيين، وعلى الجانب الآخر فإنه أجبرنا على البقاء داخل القصر، فدخلنا إلى الداخل ثانية.
وفي حوالي 8 إلا ربع طلبت الشرطة من المعرض الإغلاق لأنه قد تم إبعاد السلفيين فقط وربما عادوا أكثر بعدها. على أية حال كانت عقارب الساعة تقترب من 8 وهذا كل ما حصل داخل القصر وخارجه دون حدوث أضرار مادية أو معنوية.
وفي هذه الليلة المقمرة وجدت فرضية إيجابية واحدة تجمع عليها الشعب التونسي من جديد وهو أنه يحب فنه وتحسبا للخطر جاء كثير منهم للدفاع عنه وعن الفنانين. جاءوا من دعاة السلام في السلمية، ومنع تدمير الأعمال الفنية والدفاع عن حرية التعبير.
والإيجابية الثانية وهي لأول مرة يشعر التونسيين أن الأمن ساندهم وهذا هو دوره الفعلي وهو دعم الشعب والدفاع عنه عند الضرورة.
أما بالنسبة لبعض السلفيين الذين بذلوا جهودا كبيرة لإقناع المتشددين والمتطرفين منهم أظن أنه قد حان الوقت لكي تتحدثوا مع بعضكم بعضا دون عنف، على الرغم من أنهم على ما يبدو لم يقتنعوا.
وفي الواقع، كان واحد منهم في خارج القصر غير قابل للهضم بأي شكل من الأشكال. وأتمنى من الشرطة أن تقوم بعملها كما يصح في المرة القادمة.
وبعد ذهابنا وفقا لشاعر تونسي معارض من مصادر جريدتنا أنه مر أمام القصر في حالي منتصف الليل فوجد مئات من السلفيين تجمعوا في منطقة "المرسى" وقال بأنهم يريدون دخول قصر "العبدلي" وحرقه، لكن الشرطة والجيش كانا يتواجدان في الموقع.
من جهة ثانية أنا قلقة قليلا عن محاكمة محتملة للفنان التشكيلي. وإلا لماذا يأتي عون قضائي ومحام صباح يوم أمس؟ لماذا هو اليوم الأخير من المعرض هو يوم أمس مع أنني كنت مدعوة لعروض فنانين وأصحاب قاعات عرض أخرى؟ من الممكن أن يكون السلفيين قد رفعوا دعوى قضائية فعلا؟ ويبدو أن هذا هو الحال بعد الثورة.
فهل هي محاكمة جديدة للفن والفنانين لكي يكبلوا أيديهم وحريتهم وإبداعهم؟ ويا ترى ماذا ستكون النتيجة النهائية لهذه المحاكمة؟ وماذا سيجلب السلفيين من خسارة لبلدهم السياحية والموسم الصيفي قد هل على الأبواب؟؟؟ بهذا الشكل لن يجلبوا لبلدهم سوى الخسارة تلو الخسارة.



