د. حسن حنفى يكتب : عودة الروح
هو تعبير حبيب إلى قلوب المصريين. يشير إلى ثورة ١٩١٩، وخلده الأدب المصرى. وهو ما يمكن تسميته، أيضاً، روح الميدان أو روح يناير، روح مصر. يظهر فى الأزمات الكبرى، حيث يظهر المصريون كتلة واحدة، من كل طوائفها وأحزابها، رجالا ونساء، شباباً وشيوخاً، بالغين وأطفالاً على وجوههم ألوان علم مصر وفى أيديهم. هى روح يناير التى يزهو بها المصريون ويحنون إليها. لم تغب عن ذاكرتهم. ويودون عودتها كما يريد السلفى أن يعود إلى السلف الصالح أو يعودون هم إليه.
عادت الروح، روح الميدان الذى تجمع فيه المصريون هذا الأسبوع بعد سماعهم بالأحكام التى صدرت على الرئيس المخلوع وابنيه ووزير داخليته ومساعديه. روح تلقائية دفعت المصريين، خاصة الشباب منهم إلى النزول إلى الميدان للتعبير عن غضبهم. أين القصاص لدماء الشهداء الذين قاربوا الألف شهيد؟ وهل يكفى السجن المؤبد على الرئيس المخلوع ووزير داخليته، والمخلوع قد تجاوز الثمانين، ووزير داخليته مدان باثنتى عشرة سنة أخرى؟ وكيف يخرج ابناه براءة لانقضاء مدة الدعوى؟ وهل الجريمة تنقضى بانقضاء مدة محددة تصبح بعدها لا جريمة؟ وكيف يخرج المساعدون براءة وهم الذين قاموا بتنفيذ أوامر القتل، والآمر بالقتل كالقاتل؟ والتحفظ على أحد المساعدين بتهمة إتلاف الأدلة يعنى أن أحكام البراءة غير مطابقة للواقع لنقصان الأدلة على القتل وليس لعدم القيام بالقتل.
ونسى الثوار اليوم ما فرقهم بالأمس، نسوا ولاءاتهم الحزبية والطائفية، وأصبح الاستقطاب بين الثورة والثورة المضادة، بين الثورة والفلول، وهو التناقض الرئيسى الذى يجبُّ كل التناقضات الثانوية بين القوى والأحزاب السياسية، وكما انفجرت روح ٢٥ يناير ٢٠١١ عادت الروح فى ٢ يونيو ٢٠١٢ قبل أيام من ذكرى هزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧. لم تختف روح يناير تماما عبر عام ونصف فقد كانت تظهر بين الحين والآخر فى نتوءات من أجل المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فالروح لا تموت ولكنها تخبو. وكان الجميع ينتظر عودة الروح من جديد، الثورة على الثورة بعد التعلم من خبرات مسار الثورة على مدى عام ونصف. وفجرت أحكام القضاء الروح من جديد، وعادت كما كانت صافية رائقة بلا جنس أو لون أو طائفة أو طبقة، روح مصر التى حافظت عليها على مدى التاريخ. انصهر الجميع فيها، وخرجت مصر كما كانت تفعل دائما فى لحظات الخطر تدافع عن نفسها وجذورها ممتدة فى التاريخ. وربما تعلمت القوى السياسية أن استدراجها فى عمليات ديمقراطية شكلية كان فخاً منصوباً لها للقضاء على الثورة، لأنها آثرت مصالحها الشخصية على المصلحة العامة، فعادت الآن للالتحام فيما بينها تمسكا بأهداف الثورة ودرءاً لخطر الثورة المضادة.
لقد ظن الجميع أن روح الميدان قد غادرت جسد المصريين، وأنها لن تعود إلا بثورة ثانية، ثورة على الثورة، عندما يتراكم الإحباط الثورى الذى تولد على مدى عام ونصف، فبعد إبهار العالم كله بما فى ذلك الثوار أنفسهم بإسقاط رأس النظام فى أسبوعين وثقت الثورة بالمجلس العسكرى الذى قدم نفسه باعتباره حامى الثورة، والذى فوض إليه الرئيس المخلوع سلطاته، بعد أن رفض الثوار تعيين نائب له أو رئيس للوزراء باسم النظام، وبعد أن تحقق شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» رفع شعار «الشعب والجيش إيد واحدة». وانهارت القبلات على الجند فى الميادين العامة والطرقات ونثرت عليهم الورود.
وشيئا فشيئا بدأ الإحباط. لم تتحقق أهداف الثورة، وشغل المجلس العسكرى الثوار بالاستفتاء على البيان الدستورى، وبالانتخابات وبالدستور أولا أم مجلس الشعب أولا. ومن مجلس الشعب إلى مجلس الشورى، كان الحماس أقل والإحباط أكثر، ثم يأتى الاستعداد للانتخابات الرئاسية ولتشكيل لجنة تأسيسية لوضع الدستور من البرلمان أو من خارجه، وما نسبة القوى السياسية فيه. ومنع البث التليفزيونى لمحاكمة الرئيس ورموز النظام السابق، وشغلت البلاد بدستورية القوانين، قانون العزل السياسى، وساد تيار واحد له الأغلبية داخل المجلسين واللجنة التأسيسية المقترحة بل له مرشحه الرئاسى، الأول أو البديل، وشعر الثوار بأنهم أزيحوا من الساحة شيئا فشيئا. زرعوا الثورة، وغيرهم اقتطف الثمار.
ثم وصل الإحباط القمة فى نتائج الانتخابات الأخيرة، فبالرغم من نزاهتها من حيث الشكل لكن النتيجة جاءت غير التوقعات بمراحل، فمن كان متوقعا باعتباره رجل دولة أصبح الخامس، ومن لم يكن متوقعا باعتباره من الفلول أصبح الثانى، وبأن خطر الثورة المضادة، الفلول، التى أُخذت على غرة فى يناير، ثم استردت أنفاسها شيئا فشيئا مع تباطؤ المجلس العسكرى وإدخال الثورة فى متاهات دون تحقيق أهدافها. ولدى الفلول المال والرجال والتنظيم، بقايا الحزب الوطنى وجهاز الدولة خاصة الداخلية والأمن. تعود الثورة المضادة الآن على أكتاف الديمقراطية بإرادة الشعب. وها هو القضاء فى أحكامه يبرئ الداخلية من دم الشهداء. وكما كان تزوير الانتخابات الأخيرة قبل الثورة آخر مسمار فى نعش النظام فإن صدمة النتائج فى انتخابات الرئاسة وصدمة أحكام القضاء كانت آخر إحباطين حدثا للثوار فى عمر الثورة، عادت بعدها الروح إلى ميدان التحرير، روح يناير الأولى دون استسلام هذه المرة أو ثقة بأحد مع إعداد لبرنامج ثورى مشترك تتفق عليه كل القوى السياسية، وائتلاف ثورى قادر على أن يكون قيادة للثورة بعد أن حان وقت تسليم السلطة من العسكريين إلى المدنيين بعد استكمال مراحل التحول الديمقراطى. عادت الروح إلى المربع الأول الذى بدأت منه بعد أن تراكمت لديها الخبرة التاريخية على مدى عام ونصف فى تأرجح مسار الثورة أو توقفها بتاتا.
ومما زاد فى درجة الإحباط حين سماع أحكام القضاء، الخطبة الطويلة العصماء المملوءة بالآيات القرآنية عن الحق والعدل، وضرورة أخذ حقوق المظلومين من الظالمين، والفقراء من الأغنياء، والأصغياء من الأشقياء، بالرغم مما ساد الخطاب من أخطاء نحوية فى التلاوة لا يقع فيها صغار التلاميذ فى الرفع والنصب والجر. وكان أول حكم بالمؤبد على الرئيس المخلوع ووزير الداخلية السابق بمثابة اطمئنان أولى على ما سيأتى من أحكام. ثم خاب الظن ببراءة النجلين لانقضاء المدة، وبراءة المساعدين الخمسة. فمن السارق إذن الذى هرّب المليارات والذى ارتشى بالملايين؟ ومن القاتل المسؤول عن دماء الشهداء؟
تمخض الجبل فولد فأرا. كانت الخطبة مجرد ستار يخفى ما وراءه، ولكنه ستار فارغ كشف أكثر مما ستر، وأظهر أكثر مما أبطن. أراد أن يخدم قضيته فأضرها إذ ازدادت نسبة التوقعات فى الأحكام، فإذا كانت المقدمات على هذا النحو فما بالنا بالنتائج. إذا كانت الحيثيات بهذه القوة فما بالنا بالأحكام؟ ووضعت الأيدى على الأفواه، وبلغت القلوب الحناجر مما سيأتى.. هذا ليس تعليقا على أحكام القضاء بل تعبير عما يجيش فى صدور الناس.
ولم تنتظر الجماهير للمساء أو ليوم الجمعة بل نزلت على الفور للتجمع فى الميدان، حيث انطلقت الثورة الأولى وربما حيث تنطلق الثورة الثانية، ثورة على الثورة التى كان الجميع ينتظر شرارتها. ومازالت النار مشتعلة، والروح ثائرة فى الميدان لا تود أن تغادره نهارا وليلا حتى تطمئن إلى أنها لن تخبو هذه المرة، كما خبت فى المرة الأولى.
تطالب الثورة الثانية هذه المرة بعد عودة الروح بالعزل السياسى للفلول الذين بدأوا يتجمعون ويصبحون قوة قادرة على تصفية الثورة بالتآمر وخلق المشاكل المفتعلة والأزمات مثل طوابير البنزين والسولار، وحوادث الأمن على الطرق السريعة، والاستيلاء على البنوك، والسطو على المنازل كى يربط الناس بين الثورة وعدم الأمن والاستقرار ويفضلوا النظام السابق حيث الأمن والإنتاج والكسب المشروع أو غير المشروع. فكل ما يأتى هو رزق حلالا كان أم حراما، كما قررت الأشاعرة من قبل، العقل الخفى مازال يتآمر، وهو مازال موجوداً فى جهاز الدولة الذى لم يسقط بعد كما سقط رأس النظام، كما تطالب الثورة الثانية بقيام محاكم الثورة لسرعة تصفية رموز النظام بدلا من القضاء الإدارى العادى، الأولى والاستئناف والنقض، والأدلة والشهود والحرائز والتى قد تستمر سنوات وسنوات، فالمحاكم الثورية هى الأنسب لروح الثورة، وهكذا فعلت ثورة يوليو ١٩٥٢ بتصفية رموز الفساد فى العهد البائد، الباشوات ورجال القصر. ومن مطالب الثورة الثانية إيقاف تهريب الأموال إلى الخارج، فقد هربت من الأموال المصرية بعد الثورة أكثر مما هربت قبل الثورة، وتمتد الثورة إلى جهاز الدولة إلى النظام وليس فقط إلى رأس النظام، فى الداخلية والأمن، فما زالت نفس الأجهزة قبل الثورة هى التى تتحكم فى البلاد وتقبض على المعارضين بالآلاف بعد الثورة. وتمتد أيضا إلى الخارجية، فمازالت سياسة مصر الخارجية هزيلة. ليست بحجم مصر الدائم أو مصر بعد الثورة، موقفها من قطاع غزة، ومن الثورة السورية، ومن اليمن حتى أصبح الخليج هو الذى يقوم مقامها فى المبادرة الخليجية فى اليمن، والمبادرة شبه الخليجية المقترحة على سوريا حقنا للدماء. وتقوم جنوب أفريقيا بدور الوساطة بين السودان وجنوبه، وكلاهما كان جزءاً من مصر، وكان ملك مصر قبل ثورة ١٩٥٢ هو «ملك مصر والسودان».
بدأت الثورة الثانية تحقق ما لم تحققه الثورة الأولى مثل اتفاق القوى الوطنية على برنامج وطنى موحد مع قبول تعدد الأطر النظرية، إسلامية أو ليبرالية أو قومية أو ماركسية طبقا لقاعدة فقهية قديمة: الحق النظرى متعدد، والحق العملى واحد، وبالتالى يجتمع المرشح الرئاسى الأول والثالث والرابع والخامس فى ائتلاف وطنى واحد باسم الثورة فى مواجهة الثورة المضادة، وليست فكرة مجلس رئاسى رباعى ببعيدة عن الأذهان، تجمع الإسلامى والناصرى والليبرالى ورجل الدولة صاحب الحنكة والتجربة السياسية الطويلة. والحكومة ائتلافية تتكون من كل القوى السياسية التى تتحمل مسؤولية النجاح أو الفشل، فقد انتهى عصر الحاكم الواحد والآمر الأوحد، وقد عبرت وثيقة العهد عن هذا الائتلاف والالتزام بمصر دولة ديمقراطية تعددية ليبرالية تراعى حقوق الإنسان، وليس بعيدا أن تتكرر اللجنة التأسيسية لوضع الدستور بنفس الروح الائتلافية التى تعبر عن جميع القوى السياسية داخل البرلمان وخارجه دون أغلبية وأقلية. فمصر وطن للجميع.



