سمير مرقس يكتب :الثورة الثقافية المضادة:إضعاف الذاكرة الوطنية
« إن من يطلق رصاصة على التاريخ - بالقص أو التوظيف أو الإهمال أو بإدارة الظهر أو بالإنكار... إلخ، يكون قد أطلق صاروخاً على المستقبل.. وبخاصة تاريخنا المدنى المضىء»... (١) أحداث وتعدى... مرحلة طارئة ونرجع زى ما كنا... ياما دقت على الرؤوس طبول. كلمات قد يرددها البعض ممن لهم مصلحة فى أن يعود كل شىء إلى أصله.. هل تذكرون المشهد الختامى لفيلم العصفور عندما رفض الشعب الهزيمة، ونزل إلى الشارع هاتفاً سنقاتل، وكانت هناك سيارات نقل كبيرة تقوم بتهريب منتجات الشركات العامة لصالح قلة فاسدة.. وكانت هذه السيارات تسير عكس اتجاه مسيرات المواطنين. بنفس المنهجية تتحرك القلة الثروية التى استفادت من سياسات الليبرالية الجديدة التى قامت على اقتصاد السوق لصالح قلة بحماية الثقافة المحافظة.. فوصلنا إلى ما نحن عليه من أحوال متردية فى كل المجالات.. فبينما الناس تحلم بمصر جديدة، يتحركون هم عكس الاتجاه لإعادتنا إلى الماضى حيث يعود كل شىء إلى أصله، والمسألة بهذا المعنى مسألة وقت وذلك بضخ كم مالى ضخم لتجديد النظام القائم اقتصادياً وسياسياً وهو ما يعرف بالثورة المضادة. (شرحنا طبيعة هذه الثورة فى مقال مبكر لنا استعرنا فيه تعبيراً كروياً للتبسيط- آنذاك- عنوانه «الهجمات المرتدة»، راجع «المصرى اليوم» ٩ مارس ٢٠١١). إلا أن أخطر ما فى الثورة المضادة: أداتها الثقافية، وهى ثورة متعددة العناصر منها: تشويه الثورة، والثوار، والإضعاف المتعمد للذاكرة الوطنية الثورية. (٢) ونبدأ بالإضعاف المتعمد للذاكرة الوطنية الثورية. وتبدأ هذه العملية بالصمت المتعمد عن العناصر الفاعلة الحقيقية التى أطلقت الحراك الثورى، والتغييب القسرى وعدم الجمع المقنن والعلمى لمن ضحوا بحياتهم أو فقدوا بصرهم أو أجزاء من جسدهم.. كذلك حصار كل ما هو فعل حى من قصص وإبداعات وهتافات متنوعة وفقرات فنية مارسها الثوار فى التحرير. جرى هذا مع ثورة ١٩١٩، حيث كان هناك شهداء ولكن لا يعرف ذلك أحد ولولا أن هناك من رصد ذلك فى كتاب يتيم (حمل نفس العنوان صدر عن مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر- ١٩٨٤) ما تم توثيق هذا الأمر. هل يعقل أنه مع كل هذا الحجم المهول من برامج الـ«توك شو» لا يتم تقديم برامج عن: المبادرات الشبابية التى نتجت عن الثورة، وعن أدبها، وموسيقاها، وإبداعاتها، وتقديم أفلام وبرامج عن رموزها من الشهداء والمصابين، والبدء فى عمل دراسات سوسيولوجية وثقافية عن أهم ما طرأ على الشباب المصرى، وربط هذا الإنجاز الحى الذى نعيشه بتاريخنا الثورى من جهة وبمستقبلنا من جهة أخرى. (٣) الملاحظ أنه فى كل فترة- وهناك من يعمل على ذلك- ينشغل الناس بأمر ما يضع مسافة بينهم وبين اللحظة الثورية الأولى النقية. ويثار ما يقسم الناس إلى فريقين ومن ثم رؤيتين يتكاثران- مع زيادة حمية النقاش- إلى ما لا نهاية، وبالأخير يتم تسفيه كل شىء بشكل عدمى، خاصة إذا ارتبط الأمر بالأمور المادية. وإن الثورة لم تأت لنا إلا بالخراب وهكذا. وكأن الثورات تأتى بالخير فوراً وهو ما لم يحدث قط. ولكن هناك من يعمل بشكل جهنمى على ذلك. إن أعضاء الشبكة من جانب وأعضاء الجماعة من جانب آخر، يعملون على طمس ما جرى من وقائع وأحداث (مثلما حدث فى القضية) أو إعادة كتابة تاريخ مغاير غير صحيح. والهدف هو أن ما حدث ويحدث طارئ، لأننا سوف نعود إلى ما كنا عليه، ومن ثم لابد من العمل على أن ننسى استعدادا للعودة الحميدة للنظام القديم. (٤) إن توثيق ما جرى منذ ٢٥ يناير إلى الآن هو مهمة وطنية مقدسة. ولاشك أن عقول وجهود طليعتنا الشبابية الرقمية قادرة على أن تقوم بهذه المهمة على خير وجه فى مواجهة الثورة المضادة الثقافية.. والأكيد أننا بعد كل ما أنجز وحسب ما جاء على لسان أبطال رائعة الراحل الحاضر أسامة أنور عكاشة فى «أنت وبابا فى المشمش» فى نهاية المسلسل بعد كل ما لاقوه: «معقول بعد كل اللى حصل نرجع زى ما كنا».. نتابع



