حلمى النمنم يكتب :الرئيس فى إجازة
لم يرض الحكم الذى أصدره المستشار أحمد رفعت أحداً، الثوار غاضبون وأبناء مبارك غاضبون، حتى الذين ليسوا فى أى من الجانبين يستشعرون التناقض البيّن فى الحكم، من الحكم المؤبد على حبيب العادلى وتبرئة معاونيه جميعاً.. وحدث العديد من التجاوزات، فقد أخذ كثيرون يناقشون تفاصيل الحكم، رغم أن حيثياته لم تعلن بعد.. وكانت المظاهرات فى الميادين احتجاجاً على الحكم، والمطالبة بتطهير القضاء، وقواعد الدولة المدنية تقوم على احترام أحكام القضاء، وعدم التدخل فى شؤونه.. نحن بإزاء موقف ولحظة بالغة التعقيد والارتباك على جميع المستويات، وكانت محاكمة مبارك كاشفة لهذا كله.
قدم مبارك للمحاكمة فى جريمة قتل المتظاهرين، وهى جريمة رآها المصريون وعايشوها لحظة بلحظة، ولكن لم تقدم النيابة القتلة المباشرين، أى الذين نفذوا عمليات القتل، ولا أمكن تقديم أسلحة الجريمة، ومن ثم نحن بإزاء المحاكمة الخطأ، فكثير من القانونيين قالوا إن تبرئة مبارك ومن ثم حبيب العادلى مرجحة فى النقض، وتحدثت بعض الصحف العالمية عن أن إدانة مبارك لا يمكن أن تصمد أمام القوانين الدولية.. والواضح أمامنا أن النيابة العامة تعجلت بتقديم مبارك للمحاكمة دون تجهيز عدة الاتهامات وملفات القضية.
ولابد من القول إن هناك أخطاء فى التعامل مع مبارك منذ أن ترك الرئاسة فى ١١ فبراير ٢٠١١، ذلك أن الحاكم إذا تم خلعه من الحكم فإنه يوضع فى مكان إقامة جبرية وتحدد اتصالاته ومن يتردد عليه، خشية أن يسعى لاتخاذ هجمة مضادة أو يقوم بالانتقام، إن لم يحاول العودة ثانية إلى الحكم، فضلاً عن أن أسرار الدولة العليا تكون لديه، حدث ذلك فى كل التجارب السابقة تقريباً، حتى لو كان من جاء إلى الحكم هو ابن المخلوع، نعرف أن الخديو إسماعيل حين خلع من الخديوية، ترك مصر نهائياً، وتولى من بعده نجله محمد توفيق الذى سعى إسماعيل ابنه إلى أن يجعله الوريث بدلا من غيره، ومع ذلك كان توفيق يرسل الجواسيس لمتابعة والده خشية أن يقوم بتدبير انقلاب عليه.
الملك فاروق غادر مصر بتعهد عدم المساس بحياته، وأن يتعهد هو بعدم محاولة العودة، أما نحن يوم ١١ فبراير، فتركنا مبارك يذهب إلى شرم الشيخ ويمارس حياته بشكل عادى تماماً، ويجرى اتصالاته مع مشارق الأرض ومغاربها، وهو كما تكشف أحاديث وكتابات كل من تابعوه، لم يكن لديه شعور بأنه ارتكب خطأ واحداً.. ولأنه لا يشعر بشىء من الخطأ ارتكبه فى حق شعبه ووطنه وفى حق نفسه، ارتكب حماقته الكبرى بالشريط المسجل الذى أذاعته قناة العربية، وراح فيه يهدد ويتوعد.. وهنا لاحتواء الغضب تم تقديم الرجل للمحاكمة دون إعداد جيد لملف القضية.. وها هو قد أدين، ونعرف جميعاً أن هذه الإدانة من الناحية العملية لا تعنى الكثير، الرجل مريض ومن ثم سيقضى أيامه كلها بالمستشفى، سواء كان مستشفى السجن أو المركز الطبى، وهو رجل عجوز ٨٤ سنة.. ولذا فإن الحكم المؤبد من الناحية العملية لا معنى له، هل يمكن أن يمتد به العمر ٢٥ عاماً أخرى؟
محاكمة مبارك على هذا النحو هى المحاكمة الخطأ، فقد ارتكب أشياء تفوق أى محاكمة، يكفى أن وزيرا إسرائيليا سابقا -وزير الدفاع- هو «بن أليعازر» كان مستشاره القانونى، وكان يدفع له راتباً شهرياً بالدولار من أموال الدولة المصرية، ولذا فإنه لو تم إعدامه لن يكون كافيا، وفى مثل هذه الحالة كان الأفضل من البداية أن يوضع رهن الإقامة الجبرية لمدة خمس سنوات على الأقل وتحدد زياراته واتصالاته، لا أن يترك كما ترك يتصل بالإسرائيليين وبغيرهم على خط اتصال لا يتبع الاتصالات المصرية، وحينما أردنا إصلاح هذا الخطأ، تم إصلاحه بخطأ آخر.
كان نظام الحكم فى السابق، إذا واجهته مشكلة أو قضية كبرى، وأراد أن يتخلص منها ويهدئ الرأى العام قام بدفعها إلى القضاء، ويجعل من القضاء منصة غضب المواطنين، إذا ما جاء الحكم غير مرضٍ، كما فى حادثة العبارة، التى اضطر القاضى إلى أن يحكم فيها بالبراءة، لأنه لم تكن أمامه ورقة واحدة تدين المتهم، وحذرت يومها فى هذه المساحة من الدفع بالقضاء إلى مثل هذه المعارك، وهاهو الأمر يتكرر فى حالة مبارك وقتل المتظاهرين؟ أدلة مطموسة أو غير موجودة.. القتلة المباشرون لم يستدل ولم يعثر عليهم ففيما المحاكمة؟!
الرأى العام غاضب ومن حقه أن يغضب، القضاة يتألمون فى صمت، ويدفعون فاتورة أخطاء ارتكبها غيرهم، مصداقية القضاء تهتز حتى وجدنا من يطالب فى البرلمان بتشكيل محاكم ثورية أو استثنائية، ولم نكن مضطرين لهذا كله لو تم التعامل مع مبارك كرئيس طُرد من الرئاسة يوم ١١ فبراير، من أسف عومل كرئيس فى إجازة وصدق هو ذلك.



