د. عماد عبداللطيف يكتب :كيف يصوَّت المصريون؟ ولماذا؟
نعم، المصريون حديثو عهد بالديمقراطية، فالانتخابات المقبلة هى المرة الأولى التى يتوجه فيها المصريون للتصويت فى انتخابات رئاسية، وهم يعلمون أن صوتهم ربما يكون حاسماً فى صياغة شكل مصر فى السنوات الأربع المقبلة، وأنهم بالفعل أصبح لديهم -بعد آلاف السنين من القهر- حرية نسبية فى أن يختاروا حاكمهم، لكن هذا لا يعنى أن المصريين سوف يمارسون هذه الحرية بشكل رشيد تماماً فى الانتخابات الحالية. وربما يرجع ذلك إلى سلوكيات التصويت السلبية الشائعة التى تهدد تحول مصر إلى مجتمع ديمقراطى، ويمكن التمييز بين أنواع عديدة من سلوكيات التصويت فى الثقافة المصرية، لكل نوع منها دوافعه وشكله، وتتفاوت فى درجة شيوعها فى المجتمع المصرى.
النوع الأول من التصويت يمكن أن نطلق عليه «تصويت العميان»، ويتم وفقاً لسياسة «الإيد بالإيد»، وهو نوع يشيع على نطاق واسع فى القرى والأحياء الشعبية، حيث لا يعرف بعض المصوتين من هم المرشحون، ولا حتى على أى منصب يتنافسون، وما يحدث فى الحقيقة هو أن بعض الأقارب أو الأشخاص ذوى السلطة والمكانة يملون على أمثال هؤلاء ما عليهم أن يفعلوه. والعبارة الآتية سوف تبدو مألوفة كثيراً على آذان الكثيرين منكم - أعزائى القراء-: بص يا والدى الحاج، أنت هتدخل اللجنة، هيدولك ورقة زى دى، كل اللى هتعمله إنك هتعلم على «كذا»، أما الجملة الآتية فلابد أنكم سمعتموها «أو قلتموها» أكثر من مرة: الموضوع بسيط يا أمى الحاجة، لما يدولك الورقة علمى على «كذا»، ولأن عم الحاج وأمى الحاجة، وهم بالملايين، أشبه -سياسياً- بالكفيف الذى يتلمس طريقه فى الظلام، فإنه سيسلم أمره تماماً لكل من يتطوع ليقوده فى ظلام التصويت، ويأخذ بيده ليعبر به إلى بر الأمان، خاصة إن كان يثق فيه أو يرجوه أو يخشاه.
النوع الثانى من التصويت يمكن أن نطلق عليه «تصويت القطعان»، ويتم وفقاً لسياسة «الحظيرة»، وهو النوع الأكثر شيوعاً بين الأشخاص المنتمين إلى كيانات سياسية أو جماعات عقدية، لا يتاح للأفراد فيها حرية كاملة للتصرف المستقل فى سلوكهم التصويتى، ويهيمن فيها مبدأ السمع والطاعة على مبدأ الفردية وحرية الاختلاف، والنموذج الأبرز لهذا هو الجماعات المبنية على مبدأ السمع والطاعة مثل جماعة الإخوان المسلمين، ففى هذه الجماعة يلتزم الأفراد المنتمون إليها بقرارات شيوخهم فى كثير من الأحيان، بغض النظر عن مواقفهم أو قناعاتهم الخاصة، وإذا تصرفوا استناداً إلى هذه القناعة أو الموقف، بشكل مخالف لرأى الشيوخ، فإنهم عادة ما يخفون هذا السلوك، وإلا تعرضوا للتعزير، ومن المؤكد أن هذا النوع من التصويت يتحرك باتجاه مضاد للديمقراطية الحقيقية، التى تعنى حرية الفرد فى إبداء رأيه دون قيد خاص، فسلطة قائد القطيع تصبح شكلا من أشكال الإكراه، يستطيع من خلالها أن يمارس تقييداً شاملاً لحرية «القطيع»، فى نموذج مثالى لما يطلق عليه فيلسوف علم الاجتماع الفرنسى بيير بورديو «العنف الرمزى».
النوع الثالث من التصويت يمكن أن نطلق عليه «تصويت الجوعان»، ويتم وفقاً لسياسة «أطعم الفم تحصل على الصوت»، هذا النوع شهد عصره الذهبى فى السنوات العشرين الماضية، فقد تطور حتى أصبحنا أمام بيزنس راسخ شديد الربحية هو تجارة الأصوات، هذه التجارة أصبحت لها قواعد وأصول وتقاليد راسخة، بدءاً من تسعيرة الصوت بحسب المكان، وشروط التعاقد على بيع الصوت وكيفية التحقق من التزام الطرفين -بائع الصوت ومشتريه- بما اتفقا عليه. بالطبع يختلف الثمن من مكان إلى آخر، ففى بعض الأماكن تسود المقايضة، كيلو لحمة مقابل الصوت مثلاً، بينما يتم فى أماكن أخرى بيع الصوت بالنقدية، الصوت بمائة جنيه أو مائتين بحسب تقدير أهمية الصوت للفوز بالانتخابات. ولم تكن ساحة الفتاوى الهادرة بعيدة عن هذا النشاط التجارى، فقد أفتى البعض بحرمة بيع الصوت الانتخابى كلية، فى حين أفتى البعض بأنه يجوز أن يأخذ الشخص الأموال من المشترى، ثم يصوت لمن يراه جديراً بالصوت، والأمر بأكمله يكاد يكون فصلاً من فصول مسرحية العبث السياسى، والشىء الوحيد الجدير بالفعل إزاء هذه المسرحية الدامية هو القبض على البائع والتاجر بتهمة الرشوة والفساد السياسى، أى تجريم هذا الفعل، والقضاء على «تصويت الجوعان»، وإن كنت أشك فى جدوى هذا دون اتخاذ خطوات فعلية باتجاه التخلص من الجوع نفسه.
النوع الرابع من التصويت يمكن أن نطلق عليه «تصويت الغفلان»، ويتم وفقاً للعبة «حادى بادى.. كرنب زبادى»، فالكثير من الناخبين يذهبون إلى لجان التصويت، لا لممارسة حق سياسى أو لمناصرة شخص يستحق المناصرة أو استجابة لنداء وطنى، بل خوفاً من سيف الغرامة المعلق على الرؤوس، وتخلصاً من قلق عدم التصويت. لذا فالواحد من هؤلاء يتوجه إلى لجنة الانتخابات، وليس فى ذهنه قرار مسبق بأنه سيصوت لفلان أو علان، ويترك القرار لإلهام اللحظة الأخيرة، أو للعبة «حادى بادى»، أو يترك القلم يتجه به حيث يريد، فيضع علامة «صح» أمام أى اسم بشكل عشوائى، ويتنفس الصعداء، ويخرج من اللجنة، ربما دون أن يعرف من الاسم الذى كان من حظه أن يصوت له، ولابد أن تتذكر الآن بعضاً من معارفك ممن نسوا سريعاً اسم من صوتوا له، ربما لأنهم لم يعرفوا من هو، وهم فى داخل اللجنة.
النوع الخامس من التصويت يمكن أن نطلق عليه «تصويت الغضبان»، ويتم وفقاً لحكمة «ما يملاش عين ابن آدم إلا التراب»، فالناخب الغضبان لا يرى أن أياً من المرشحين جدير بصوته، وعادة ما يذهب الناخب الغضبان إلى اللجنة وهو لا يطيق النظر فى أسماء المرشحين أو رموزهم، وبعد أن يعلم علامة «إكس» كبيرة على الورقة بطولها، يتنفس الصعداء، ويشعر بأن الدنيا أصبحت أكثر براحاً، ويضع الورقة فى الصندوق وينصرف، لكن البعض قد لا تكفيه علامة إكس واحدة، بل يكتب عبارة أو أخرى يفش فيها غله من المرشحين، ويتعامل فى هذه الحالة مع بطاقات التصويت على أنها صفحة إبداء رأى، أو سجل للذكرى، وعلى الرغم من أننا قد نظن أن أنصار هذا النوع من التصويت قليلون للغاية، فإننا قد نكون مخطئين فى تقديرنا، خاصة فى الانتخابات الرئاسية الحالية التى تتزايد فيها حملات التشويه المتبادلة بين المرشحين، وحين يكون المرء غير قادر على التمييز بين الإشاعة والحقيقة، ويختلط الحابل بالنابل، يميل إلى نبذ الجميع.
النوع السادس من أنواع التصويت يمكن أن نطلق عليه «تصويت الطمعان»، ويتحقق حين تؤازر مجموعة بعينها مرشحاً بعينه، بهدف الحفاظ على مصالحها الخاصة، أو طمعاً فى مزايا سياسية أو اجتماعية، أو الحفاظ على بقائها فى حالة ما إذا كانت تتعرض لتهديدات بالمحاكمة أو المساءلة أو انتزاع المزايا، كما هو الحال فى مساندة أعضاء الحزب الوطنى، والأحزاب التى تفرعت عنه مثل حزب مصر القومى، لشخص أو آخر ممن يحتمل أن يرعى مصالحهم لو نجح فى الجلوس على كرسى الرئيس.. ومما قد ينتمى إلى «تصويت الطمعان» التصويت دعماً لعصبية قبلية أو عائلية أو غيرها من دواعى المصلحة الفردية أو الفئوية.
هذه الأنواع الستة من التصويت، تختلف عن النوعين السابع والثامن اللذين يعبران عن سياسة تصويتية رشيدة إلى حد كبير، النوع السابع يمكن أن نطلق عليه «التصويت الفردى»، ويتم وفقاً لسياسة «الاقتناع الذاتى»، ويتحقق حين يقتنع شخص ما بأهلية أحد المرشحين للمنصب المتنافس عليه، فيذهب إلى الصندوق لاختياره، بشكل فردى، دون مشاركة الآخرين فى اختياره، وربما دون أن يتحدث مع أى أحد بشأن هذا الاختيار، ويشيع هذا النوع من التصويت فى المجتمعات المتقدمة التى تتعامل مع التصويت الانتخابى بوصفه -إلى حد ما- خصوصية من خصوصيات الإنسان، لكننا مجتمعات لا تعرف الخصوصيات، كما أننا جميعاً غارقون فى أمور السياسة إلى حد الهوس. وهو ما يقلل من انتشار هذا النوع من التصويت فى المجتمع المصرى إلى حد كبير.
أما النوع الثامن من أنواع التصويت فيمكن أن نطلق عليه «تصويت الأنصار»، فعادة ما يكون لدى كل مرشح مجموعات من مؤيديه وداعميه ومناصريه، إما يجمعهم الاتفاق فى الأفكار والمبادئ، أو الإيمان بقيمة المرشح، أو التأثر بسحر شخصيته، والنموذج الأبرز لهذا النوع هو تصويت الجماعات ذات الانتماء الفكرى المشترك لشخص يتبنى نفس الفكر، بشرط ألا تكون هذه الجماعات مبنية على مبدأ السمع والطاعة، وتتيح مساحة واسعة من الاختلاف بين أفرادها.
من المؤكد أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين بعض هذه الأنواع، وأن هذا التقسيم ليس حاسماً بشكل تام، وإن كان مجدياً من بعض الوجوه، فهناك أنواع تصويت تشكل خطورة حقيقية على تجربة الديمقراطية الوليدة فى مصر، وعلى كل مصرى أن يدرك بعمق أن صوته قد يكون حاسماً بالفعل فى تشكيل مستقبل وطنه، وأن هذه المسؤولية العظيمة تفرض عليه أن يصوت بوعى وحصافة وصدق وإخلاص، وألا يمارس أبداً تصويت العميان ولا القطعان ولا الجوعان ولا الطمعان.



