د.محمود خليل يكتب :بين السما والأرض
لا يوجد وصف يمكن أن يلخص لنا مشهد انتخابات الرئاسة أشد دقة من وصف «بين السما والأرض». فالأفكار التى يطرحها الناخبون فى برامجهم تترواح بين السماء والأرض، والشعارات التى يرفعها كل مرشح ويحاول أن يتسرب من خلالها إلى وجدان المواطن تتأرجح بين السماء والأرض، بل إن الانتخابات فى حد ذاتها أصبحت تائهة بين السماء والأرض ولا أحد يعلم هل ستتواصل فعالياتها أم لا فى ظل التضارب بين الأحكام القضائية والتصريحات التى تصدر على لسان الأطراف المسؤولة عن صناعة المشهد الانتخابى. مرشحو الانتخابات يعدون المصريين وعودا عجيبة محلقة فى السموات العلا سرعان ما تشعر بفراغها وخوائها عندما تفكر فى إمكانية تطبيقها على الأرض. «حمدين صباحى» قال إنه يستطيع أن يوفر مستوى معيشياً لائقاً للمواطن خلال ١٠٠ يوم، و«أحمد شفيق» وعد بحل مشاكل البلطجة فى ٢٤ ساعة، و«عمرو موسى» صرح بأنه يستطيع حل كل مشاكل مصر الاقتصادية بالتليفون، أما عبدالمنعم أبوالفتوح فقد بشرنا منذ عدة شهور أن حل مشاكلنا الاقتصادية مرتبط بانتهاء الفترة الانتقالية، يعنى الحلول سوف تهل علينا بمجرد أن نصافح وجه الرئيس الجديد. والعجيب أنهم يقدمون على هامش هذه الوعود حلولاً أقل ما يمكن أن توصف به أنها «حلول شائخة» سبق أن سمعناها مئات المرات. على سبيل المثال: هات لى مرشحاً واحداً تحدث عن التعامل مع مشكلة البطالة خارج سياق: توفير فرص عمل (دون أن يحدد كيف) ومنح العاطلين إعانة بطالة (دون أن يحدد من أين)، ناهيك عن الأسطوانة المشروخة الخاصة بالتدريب التحويلى، ودعم التعليم الفنى وخلافه. ما الجديد فى هذا الكلام؟ لا شىء. وسأسلم بأن هذا الكلام عظيم وأنه يشتمل على حلول عبقرية، وأن من يتحدث به يمتلك إرادة الحل وأن تلك الإرادة هى الجديد الذى سوف يقدمه لنا، فى ظل قاعدة أن مشاكلنا جميعها معروفة الحلول، لكننا كنا نفتقر إلى القيادة التى تريد الحل. سوف أسلم بذلك، لكننى أسأل: كيف سيواجه أى من هؤلاء «المتكلمين» من يتحركون بالإرادة المعاكسة، أى إرادة رفض الحل. ويسيطر هؤلاء على كافة مفاصل الدولة من أكبر مفصل إلى أصغره. فلو قال قائل مثلاً إننى سوف أوفر معونة بطالة للعاطلين من خلال وضع يد الدولة على الصناديق الخاصة التى تحتشد فيها المليارات دون أن يشرح لنا كيف سيتعامل مع الصناديق الخاصة التابعة للمؤسسة العسكرية والشرطية والمخابراتية فإن كلامه يصبح غير واقعى بالمرة. الكلام يسير والوعود سهلة، المهم أن نفهم كيف سيقتحم «المتكلم» أعشاش «الدبابير» ليأتى للمواطن المحروم بما يلتهمه السادة «المسيطرون». إذن الحديث عن فترة زمنية محددة لحل المشكلات، فى يوم فى شهر فى سنة، هو حديث «سماوى» إذا لم يأت مشفوعاً بشرح واضح للإجراءات التى سوف يواجه بها من يريد التغيير أو الإصلاح مجموعة الرافضين له. ومن اللفت أن الكثير من المرشحين يضربون صفحاً أو بالبلدى «يطنشون» عن أى حديث «أرضى» يتناول أساليب مواجهة دولة الفساد المتجذرة داخل أغلب المؤسسات التى يحلم المرشح بإعادة هيكلتها فى فترة زمنية قصيرة للغاية. ويظهر التأرجح بين السماء والأرض أيضاً فى التنازع على الاعتماد على كل من الدين والدنيا فى مخاطبة المواطن. على سبيل المثال يقدم الدكتور محمد مرسى نفسه للمصريين كداعية من دعاة السماء أو كـ«مهدى منتظر» جاء ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً. فهو دائب التأكيد على أن مشروعه يرتكز على تطبيق الشريعة وأن تطبيق شرع الله هو العزة والكرامة، بل وترك الداعية صفوت حجازى- فى أحد المؤتمرات الجماهيرية- يصفه بأنه «صلاح الدين الأيوبى» الذى سوف يصلى بنا فى القدس». وليس هناك فارق بين أن تخدع الناخب بالدنيا أو أن تخدعه بالدين، ففى الحالتين يعتمد المرشح على فكرة الوعود المحلقة، فأهل «الأرض» يبذلون الوعود برفع المرتبات، والعلاج المجانى، والتعليم فى مدارس محترمة، وفتح ملفات الصناديق الخاصة، وتخضير الصحراء وغير ذلك، بالإضافة إلى الحديث عن أن حل كل مشكلاتنا ممكن وسهل وبسيط ولا يحتاج سوى الإرادة وهم يمتلكون الإرادة ولم يبق إلا أن تذهب إلى صناديق الاقتراع لتعطيهم صوتك لينصلح الحال. هكذا يفعل المرشحون من أهل الأرض. أما المرشحون من أهل السماء فيعدون هم الآخرون بالمن والسلوى، وأنهار اللبن والعسل، والبركة التى سوف يفتحها المولى عز وجل علينا من السماء والأرض والرزق الذى سوف يأتينا من حيث لا نحتسب، بشرط وحيد أن نطبق شرع الله، وبالتالى فحل كل مشاكلك فى يدك عندما تذهب إلى صندوق الانتخابات يوم التصويت لتعطى صوتك لأهل السماء الذين يريدون تطبيق الشريعة. نأتى بعد ذلك إلى الطريقة التى تدير بها اللجنة العليا للانتخابات والمجلس العسكرى المشهد لنجد أن الإعلان الدستورى الذى أصدره «العسكرى» أكد على «سماوية» لجنة الانتخابات وأن أعضاءها لا يسألون عما يفعلون. ولم يرض هذا الوضع أطرافاً عديدة داخل المشهد السياسى فبدأ مجلس الشعب يحاول أن ينزل اللجنة من عليائها بقانون «العزل» لكنه لم يفلح، وبقى الفريق أحمد شفيق على قلب المرشحين والناخبين، لكن بعض نواب الشعب والمحامين لم يسكتوا وحاولوا جرجرة اللجنة إلى القضاء الإدارى من أجل خلع الثوب «السماوى» عنها. وقد كان أن حكم القضاء الإدارى بإيقاف الانتخابات ورد قرار اللجنة بدعوة الناخبين إلى اختيار رئيس للدولة. ولا أحد يدرى كيف ستسير عجلة الانتخابات الرئاسية خلال الأيام القادمة. الأمور غامضة أشد الغموض، رغم كل ما يقال من تصريحات على لسان المسؤولين الحكوميين أو التشريعيين أو أعضاء المجلس العسكرى أو حتى مرشحى الرئاسة. فالواضح أن هذه التصريحات تضمر غير ما تظهر وتخفى غير ما تعلن. وسوف تظل الأمور معلقة وتبقى الثورة تائهة بين السماء والأرض حتى يقرر الشعب التدخل من جديد لتهبط سالمة إلى الأرض، أو يقرر السلاطون المتربعون على حكم البلاد غير ذلك فتصعد روحها إلى السماء!



