وعود "الإخوان" الرئاسية..هل هى نبيذ معتق فى زجاجات جديدة ؟
بقلم : أحمد حسن الشرقاوى
يلجأ منتجو النبيذ لحيلة معروفة حين يضعون الخمر القديمة المعتقة فى زجاجات جديدة. هذه الحيلة دخلت التراث الغربى حين صارت مثلا يضرب فى العمل السياسى والدبلوماسى عندما تتم صياغة أفكار قديمة فى أشكال جديدة وأحيانا مبتكرة. يبدو ان هذا هو واقع الحال بالنسبة لجماعة الاخوان المسلمين.
فقد بعث الدكتور محمد مرسى فى مؤتمره الصحفى الأول كمرشح رئاسى عن الجماعة وحزبها ( الحرية والعدالة) بعدة رسائل فى اتجاهات متعددة. أجواء المؤتمر الذى عقد السبت 21 ابريل 2012 سادتها لغة تصالحية لتهدئة مخاوف القوى السياسية الأخرى تجاه الأداء السياسى للجماعة والحزب غداة مليونية " تسليم السلطة" التى شهدها ميدان التحرير يوم الجمعة 20 ابريل 2012.
ويعتقد مراقبون ان جماعة الاخوان المسلمين تتعرض لأزمة مصداقية كبيرة خلال الفترة الماضية، بل أن البعض يشير الى ان تلك الأزمة ربما تكون من أهم الأزمات التى مرت بها الجماعة منذ تأسيسها على يد حسن البنا فى
الاسماعيلية شمال شرق القاهرة عام 1928 ، وهى- أى الجماعة- تحاول تجنب التأثيرات السلبية التى يمكن ان تصيب تماسكها التنظيمى جراء تلك الأزمة.
وترى قيادات فى مكتب الارشاد وفى مجلس الشورى العام لجماعة الاخوان المسلمين أن إخفاق مرسى فى الفوز بمنصب الرئيس سيعود بتبعات سلبية كبيرة على الجماعة ومدى مصداقيتها لدى الرأى العام فى الداخل والخارج، لذلك فان الجماعة تحشد كافة إمكانياتها لخوض معركة شرسة فى انتخابات الرئاسة لتضمن فوز مرشحها.
ويبدو ان الجماعة دشنت حملة مرشحها الرسمى الدكتور محمد مرسى رئيس حزب الحرية والعدالة اعتبارا من اليوم حيث قام مرسى عقب المؤتمر مباشرة بالتوجه الى محافظة البحيرة برفقة المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة لعقد مؤتمر انتخابى حاشد فى دمنهور . كما أعلنت الجماعة- فى بيان رسمى الخميس 19 ابريل- أن مرسى سوف يحظى باستقبال وصفته بالأسطورى خلال زيارته المرتقبة يوم الأحد لمحافظة الدقهلية حيث من المقرر ان تصطف الكوادر الاخوانية وعائلاتها فى القرى الواقعة على طول الطريق المؤدية لمدينة المنصورة لاستقباله، بما ينبىء بتخطيط الجماعة لتقديم مرشحها بصورة تستهدف مخاطبة عقول المواطنين البسطاء وإظهار مدى قوتها وانتشارها فى أقاليم مصر المختلفة.
المنتقدون للجماعة يشيرون باصابع الاتهام الى مواقفها خلال العام المنصرم من عمر الثورة وتحالفها مع المجلس العسكرى ضد استمرار الزخم الثورى لتحقيق أهداف ثورة 25 يناير، وتعاونها الواضح فى " تبريد الثورة" عبر الموافقة على قانون تجريم التظاهر والاعتصام وعدم الوقوف بالقوة الكافية أمام ممارسات النظام الأمنى ضد الثوار فى ماسبيرو ومحمد محمود ( 1 و 2 ) ومجلس الوزراء وغيرها.
هذه الانتقادات والأسئلة وعلامات الاستفهام المتعددة حاول مرسى ان يجيب عليها فى مؤتمره الصحفى بالقاهرة اليوم، من بينها علاقته بالجماعة والحزب حال فوزه، ورؤيته لعلاقات مصر الخارجية وبرنامج النهضة الذى طرحته الجماعة ومدى الاتفاق على مرشح واحد للتيار الاسلامى، وكل الاجابات صبت فى خانة إرسال رسائل تطمين لكل من يهمه الأمر فى مصر وخارجها.
وركز مرسى على ان جماعة الاخوان المسلمين لن تحكم مصر حال فوزه في انتخابات الرئاسة المقبلة وانه سيكون رئيسا مستقلا لكل المصريين يعمل طبقا للدستور المصري وليس طبقا للائحة الجماعة أو حزبها، وأنه في حال نجاحه سيستقيل مباشرة من رئاسة حزب الحرية والعدالة حتى يكون رئيسا لكل المصريين .
وفي سياق الحديث عن العلاقات الدولية وموقفه من إسرائيل، قال مرسي إن مصر دولة كبيرة ومهمة ولها علاقات وتمثيل دبلوماسي والمؤسسة الديمقراطية تفرض على الرئيس ان يكون معبرا عن كل المصريين وان يحترم اتفاقيات الدولة المصرية مع بقية الدول"، مشددا على أن رئيس مصر المقبل لن يكون تابعا او غير معبر عن ارادة المصريين الذين تمثل لهم القضية الفسطينية قضية محورية.
وأوضح مرسي أن حزب الحرية والعدالة يسعى من خلال ترشيحه فى انتخابات الرئاسة إلى وجود منافسة مفتوحة مع بقية المرشحين، وقال:" نريد منافسة شريفة مع كل المرشحين الذين اؤكد على وطنيتهم، والحزب والجماعة لا يحجران على رأي أحد وسنحترم نتيجة الانتخابات ومن سيختاره الشعب المصري."
وأضاف إننا نعني ما نقول، وماضون حتى نهاية الشوط، ونقبل باختيار المصريين، ولذلك فان المنافسة الشريفة هي الضمان لاحترام الجميع عبر موقف واضح فى كل الأموروهو ما نقدمه وتقدمه مؤسسة الاخوان المسلمين !!"
وفي سياق الحديث عما إذا كان سيختار المهندس خيرت الشاطر نائبا له في الانتخابات المقبلة أكد مرسي أنه إذا ما اختاره الشعب المصري كرئيس للبلاد فإنه سينطلق من إدارته وحاجته مشيرا الى أنه أمر مؤجل لما بعد
انتهاء الانتخابات ولن يحسم إلا حينها.
وبالنسبة للدستور، قال مرسي " هناك توافق في الدستور المصري الذي يتم مناقشته الان على أن يكون النظام في المرحلة الانتقالية نظاما مختلطا شبه برلماني وسيكون هناك مهام للرئيس ومهام لرئيس الوزراء" .
وفي إجابته على سؤال عن موقف الحزب من حكومة الدكتور الجنزورى في ظل ترشحه، أكد مرسي ان الحزب طالب بإقالة حكومة الجنزوري لا طعنا في أشخاصها وإنما لضعفها على حد تعبيره مؤكدا أن الحزب يسعى إلى تشكيل حكومة ائتلافية تتمتع بالاغلبية، مشددا على أن الحديث عن الحكومة في هذه المرحلة يحتاج الى ما وصفه بدقة في العرض، دون أن يقدم المزيد من التوضيح .
وحول جهود توحيد الصوت الاسلامى فى انتخابات الرئاسة وما تردد عن زيارة قيادات الهيئة الشرعية للحقوق والاصلاح ( ذات التوجه السلفى) لمكتب الارشاد ومقابلة المرشد، نفى مرسي أن تكون الهيئة الشرعية قد زارت مكتب الارشاد لبحث دعم مرشح الاخوان كاشفا انه هو- أى مرسى- الذى زار الهيئة يوم أمس الجمعة لعرض برنامجه والاجابة على تساؤلاتهم وذلك ضمن سعي الهيئة الشرعية للالتقاء مع كل مرشحي الرئاسة ليعرضوا برامجهم عليهم.
وقال :" كنت معهم بالامس وهم لم يذهبوا لمكتب الارشاد لكن بعض رموز الدعوة السلفية قابلوا المرشد العام وهم لم يعلنوا موقفهم بشكل واضح حتى الآن."
وشدد مرسي أن الجماعة لم تتراجع عن وعودها وقال إن القرار الأول الخاص بدفع مرشح في انتخابات الرئاسة جاء- حسب قوله- طبقا لما وصفه بمعطيات ومناخ وحالة كانت موجودة قبل سقوط الرئيس المخلوع وبعد مرور اكثر من عام وبعد تغير الظروف تمت دراسة الامر مرة أخرى.
واعتبر ان القرار الجديد لا يعد تعديلا أوالغاء للقرار الأول، وانما القرار القديم كان قائما الى ان جاء القرار الجديد، مضيفا: "نحن لا نغير قرارنا عن هوى او رغبة في سلطة وانما من منطلق المصلحة الوطنية".
**********************************************
ورغم تلك الرسائل التى وجهها المرشح الرسمى لجماعة الاخوان المسلمين ورئيس حزب الحرية والعدالة يبقى السؤال الأهم:" هل يمكن للرأى العام والقوى السياسية ان تطمئن للوعود التى تقطعها الجماعة على نفسها خلال المستقبل بعد ان جربت التزامهم بوعودهم خلال الفترة الماضية؟



