إبراهيم عيسى يكتب :يد المرشد ورأس نائبه
خيرت الشاطر يتصرف مثل نمر جريح ضربه الصياد بسهم أصاب كتفا وذراعا وأسال دما، لم يقتله لكنه أغضبه، هو الآن نمر هائج غاضب منفعل منزعج من تحوُّله إلى فريسة، فيظن أن مهمته الحالية أن يفترس أى أحد حتى يظهر كأنه لم يفقد قوّته وهيبته وأنيابه..
وينسى وسط كل هذا أن يعالج جرحه النازف!
مِن يوسف العصر إلى عزيز مصر.. هكذا يتصرف الشاطر الذى خرج من السباق الرئاسى بعدما تَوهّم أنه فعلا يوسف العصر وجاءه الأمر مباغتة ومفاجأة بعدما ظن أن موازين القوة لصالحه والعسكرى لن يجرؤ على تحديه، حيث وقّع اتفاقا مع الجنرالات ونفذوا كل بنوده فى لقاءاته السرية كالعادة مع الفريق سامى عنان، أكثر من أطلق للإخوان وللتيار الدينى العنان فى المرحلة الانتقالية، فلما انتقل الفيل فوق رقعة الشطرنج نحو خانة الملك فزع الفريق والمشير وقررا إلجام خيرت الشاطر، هكذا يفسر الشاطر إبعاده عن المنافسة على مقعد المنافسة الرئاسية (لاحظ أنه لم يتم استبعاد الإخوان، ولاحظ أن الإخوان أنفسهم كانوا مُحْجِمين عن ترشيح أحدهم حسب الوعود الإخوانية الوهمية!)، ولهذا يتصرف بمنتهى العصبية، فالشاطر على ما يبدو رجل اعتاد العمل فى الظلام وكثافة الأضواء المتوجهة ناحيته والمسلطة عليه تثير توتره وعصبيته وهو متوتر وعصبى أصلا! لكن ما يفعله الشاطر فى الجماعة وبالجماعة هذه الأيام يشبه من يقود تمردا على مأمور السجن لا من يقود تيارا وحزبا سياسيا لمواجهة ضغوط مجتمع وواقع وحكام!
تصرفات الشاطر، وهو المرشد الحقيقى الذى يفعل فى الجماعة ما يريد، حيث هو الحاكم الفعلى لأموال الإخوان وصاحب القدرة على توزيع الثروة المالية للجماعة بين الطائعين المطيعين الطيعين مقبّلى يد المرشد ورأس نائبه، ستضر الجماعة ضررا بالغا.
يخاصم الإخوان الآن المجلس العسكرى، أو هكذا تحاول الجماعة إيهامنا، لكنه توقيت مثالى إذن لأن يركز الإخوان على مواجهة العسكرى فيضموا لهم شباب الثورة والقوى المدنية والأحزاب السياسية، بل والإعلام، حتى يبدو موقفهم وطنيا متوحدا وقويا، وهكذا يتصرف الإخوان فى حالتهم الطبيعية طول الوقت، يحددون الخصم الحالى ويتحالفون مع الجميع ضده ثم ينقلون الخصومة إلى آخَر فيتحالفون مع الجميع بمن فيهم خصمهم السابق ضد خصمهم الجديد، لكن الشاطر يغير الآن من المعادلة ومن طريقة الإخوان القديمة التقليدية المجربة والمعتمدة..
ليه؟
لأنه عصبى جدا ومتوتر ومجروح، ولأن عبد المنعم أبو الفتوح منافسه اللدود هو منافس الجماعة على أصوات الإسلاميين، وهو يهدد الشاطر بهزيمة داخل الجماعة يعود بعدها أبو الفتوح منتصرا يرتدى أكاليل الغار، ومن ثم فليس أمام مشاعر الشاطر إلا أن تصرخ فى ملامح وجهه وتقطيبة حاجبيه واهتزاز شفتيه وتلويحة يديه وصوته المبحوح صاحب النغمة الواحدة، تصرخ مشاعره: على جثّتى!
عصبية الشاطر وجرحه (وربما ضغط المسؤوليات عليه، فالرجل أطلق سلسة سوبرماركت جديدة وسط هذه المعمعة ويبدو أنه لا يطمئن لمن كلفهم بمسؤولية متابعة افتتاح السوبرماركت وإدارته حتى يتفرغ لهم وله) تجعله يعادى الجميع لا المجلس العسكرى فقط، فتجد الجماعة ضد القوى المدنية وتتراجع عن لون السماحة وقناع الانفتاح الذى ارتدته بعد حكم الإدارية ببطلان تشكيل لجنة الإخوان لدستور قندهار وتعود لتتمسك بامتلاك اللجنة..
ليه؟
كى تثبت أنها الجماعة القوية المفترية التى لم تهتز وهى تعادى القضاء، وتصبّ هجومها عبر رجلها القوى الشاطر على المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية العليا، دون أن تلتفت إلى أنها بما تفعل تبتز القضاء، فحكم بطلان مجلس الشعب وقانون العزل وبطلان ترشح الشاطر فى أروقة المحاكم، فضلا عن أن الجماعة تنسى أنها تحرج المستشار حسام الغريانى جدا، فالرجل هو رئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو يسمع الهجوم المروّع من الشاطر وجماعته (وكذلك من الشيخ حازم وحازميه) على المستشارين أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، ويسمع اتهامات للقضاة بالرشوة والتزوير، ومع ذلك فالمستشار الغريانى ساكت هو ومجلسه قضائه (وللمفارقة، فالمستشار أحمد الزند صامت كذلك، وهو الذى لا يتردد عن الانقضاض على الجميع بتصريحاته المدافعة عن نقاء وطهارة القضاة كلما عنّ له أن أحدهم لا يذكر قضاته بخير).
الحرج على الغريانى بالغ، فالرجل جلس مع الإخوان الذين اختاروه مرشحا لهم فى انتخابات الرئاسة وعرضوا عليه دعمهم وجماهيرهم وتأييدهم، فكونه يصمت الآن عن هجومهم على القضاة يحرج الطرفين… إذا كان هناك من لا يزال يشعر بالحرج!



