ياسر أيوب يكتب: من المسئول عن خراب السينما فى مصر؟

كتب : ياسر ايوب
أستئذنكم فى مقدمة أو افتتاحية قد تطول بعض الشىء .. ولكنه من الضرورى أن أحكى لكم عما جرى .. وعن مصر التى ثارت فى شهر يوليو عام 1952 فكان أول فيلم يشاهده المصريون بعد خمسة أيام فقط من قيام الثورة هو فيلم كأس العذاب.
ثم توالت بالترتيب أفلام مثل عشرة بلدى .. عايزة أتجوز .. سيدة القطار .. يا حلاوة الحب .. غلطة أب .. مصطفى كامل .. يسقط الاستعمار .. وأفلام أخرى كثيرة قبل فيلم إدينى عقلك الذى كان آخر أفلام تلك السنة .. وحين خسرت مصر وانكسرت فى يونيو عام 1967.
شاهدت فى أول أيام الهزيمة فيلم غازية من سنباط .. ثم إجازة صيف وإجازة غرام .. شنطة حمزة .. جريمة فى الحى الهادىء .. الزوجة الثانية .. غرام فى الكرنك .. وأفلام أخرى كثيرة شاهدتها مصر فى سنة الهزيمة كان آخرها هو فيلم قصر الشوق .. وحين جاء انتصار أكتوبر 1973 .. مضى ثلاثون يوما فقط قبل أن يشاهد المصريون فيلم زمان ياحب .. شلة المراهقين .. مدرسة المراهقين .. الشياطين والكورة .. إمرأة سيئة السمعة .. حكايتى مع الزمان .. البنات لازم تتجوز .. وأفلام أخرى .. وحين اغتيل أنور السادات وتولى مبارك حكم مصر فى أكتوبر 1981 .. شاهد المصريون فيلم 4 2 4 .. اللصوص .. أنا المجنون .. موعد على العشاء .. رحلة الرعب .. وأفلام أخرى كثيرة كان آخرها بمحض المصادفة هو فيلم .. لن أغفر أبدا
وحين ثارت مصر على مبارك فى يناير 2010 .. لم تقدم السينما المصرية إلا فيلمين .. إيه يو سى وسفارى .. لكن لم يشاهدهما أحد .. فلم يعد هناك أحد يريد أن يذهب إلى أى شاشة سينما .. وإلى حد أن قاعات كثيرة للسينما أطفأت أنوارها ودارت ماكينات عرضها وليس هناك إلا متفرج واحد أو ثلاثة على الأكثر .. وأصبح المنتج يسعد جدا حين تتجاوز إيرادات فيلمه فى أى أسبوع سقف العشرة آلاف جنيه ..
وترجمة هذه الأرقام تعنى خسائر فادحة للمنتجين .. وأصحاب دور العرض .. وتهديد لآلاف الموظفين والعمال سواء فى شركات الانتاج أو شركات التوزيع والعرض .. غير واقع بات محفوفا بالمخاطر لكل أصحاب الصناعة من كتاب وممثلين ومخرجين وفنيين ونقاد وصحفيين .. كارثة لا ينتبه لها الكثيرون ولا أحد يتوقف أمامها بأى قلق أو انزعاج .. ليس فقط لأسباب اجتماعية وإنسانية بشأن بيوت كثيرة لبسطاء وفقراء قد يعانون من جديد بحثا عن الرزق .. وإنما لأسباب فنية أيضا .. لأن أصحاب وخبراء السوق لا يتوقعون أن تتعير الصورة كثيرا حين يفتحون الستار عن الأفلام الجديدة مثل كف القمر والجزء الثالث من عمر وسلمى والمصلحة والفيل فى المنديل ..
ولأننى لا أحب التفاسير والأسباب سابقة التجهيز .. فلن يقنعنى ما يقال عن أن الذى أدى إلى ذلك هو حظر التجول .. وغياب الأمن ومخاوف الليل والخروج والطرقات .. والتوتر الذى أصبح يقاسمنا طول الوقت خطواتنا وأفكارنا وكلماتنا ومشاعرنا .. ولكننى على الرغم من اعترافى واحترامى لكل ذلك .. إلا أن أيا من ذلك لم يمنع الناس من الخروج من البيوت .. ولم يتحول المصريون فى معظمهم إلى شعب يعيش فى زنازين الخوف .. وأظن أن الذى يخرج إلى الشارع ويمارس التسكع فوق الأرصفة أو يجلس فى أحد المقاهى أو المطاعم ويذهب إلى الأسواق التجارية الكبرى أو العادية ويحرص على الذهاب حتى إلى ملاعب الكرة .. لن يجد مانعا من الذهاب إلى السينما إن أراد أو احتاج .. ولكن يبدو أنه لم يعد هناك كثيرون يريدون السينما أو يحتاجون شاشاتها وأفلامها
وإذا كنت قد رفضت كل التفاسير والأسباب سابقة التجهيز التى تمنع الناس من الذهاب إلى دور السينما .. فإن من حق القارىء أن أقدم له الأسباب البديلة التى أراها صحيحة أو أكثر واقعية .. وأستأذنكم جميعا قبل القيام بذلك فى التوقف أمام كتاب هام وجميل وساحر كتبه بير بيرسون الذى يعمل بمركز أبحاث شركة نوكيا .. الكتاب صدر قبل سبع سنوات وعنوانه .. فهم السينما .. النظرية النفسية للصور المتحركة .. وهو كتاب ضخم عن السينما لكن ليس فيه أى حديث عن أفلام أو نجوم .. وإنما ما الذى تقدمه السينما للناس ولماذا يحتاج الناس لأفلام السينما .. بير بيرسون يطيل أبحاثه ويشرح دوافع كل واحد منا ليجلس لمشاهدة أى فيلم .. وأظن أن بيرسون هو الذى يقدم لنا السبب الحقيقى وراء دور السينما الخالية الآن فى مصر ..
فالسينما التى تمزج الخيال بالأحلام بالواقع بالصورة المشتهاة والمشاعر المتخيلة .. ينبغى أن تبقى طول الوقت تسبق الواقع .. وأكثر منه خيالا وإثارة .. وهو مالم يعد حاصلا فى مصر الآن .. فلأول مرة فى مصر يصبح الواقع هو الأكثر إثارة وصخبا وتشويقا وخيالا من أى فيلم .. فالناس باتت تستيقظ كل صباح وتبدأ يومها .. تقرأ الصحف أو تتابع شاشات التليفزيون أو مواقع الإنترنت .. تخطف أبصارها وانتباهها حكايات عن الفساد والمساجين والمحاكمات والمجرمين وصراعات الدين والفتنة والاضراب والمطالب العام والخاصة والفضائح والشائعات .. وبالتالى لم يعد أحد يحتاج للسينما إلا لو تغيرت السينما ..
مستحيل أن يبقى نفس منهج ورؤى أفلام ما قبل يناير 2011 هو نفسه فى أفلام ما بعد يناير وثورته .. فإن كنت أخرج من بيتى فى الماضى لأشاهد فضيحة لسياسى أو رجل أعمال .. أو أرى تفاصيل هذا العالم الغريب عنى سواء كان عالم القمة والكبار أو القاع والعشوايات .. فأنا الآن لم أعد أريد مشاهدة ذلك ..
فكل ذلك أصبح متاحا للجميع طول الوقت دون أفلام ومشاوير ومشقة خروج وبطاقات دخول .. ولكننى الآن سأخرج لأشاهد فيلما لا يأتينى الواقع بمثله .. وليس بالضرورة أن تصبح السينما الجديدة أكثر إثارة .. وإنما ممكن أن تنجح السينما الجديدة بالرومانسية على سبيل المثال .. فالناس الآن .. ومن فرط ما باتت تتابعه وتعيشه من خوف وفساد واحباط وقلق .. قد تكون فى حاجة إلى حكاية حب .. والسينما الأمريكية تقدم لنا أكثر من مثال نجحت فيها أفلام رومانسية شديدة البساطة أقبل عليها الناس لأن واقعهم الاقتصادى أو الاجتماعى كان مشحونا بالخوف والتوتر ..
وأظن أن صناع السينما فى مصر الآن مطالبون بمراجعة السياسات السينمائية الأمريكية وكيف حرصت هوليوود أن تبقى دائما سابقة مجتمعها بخطوة .. وكيف حرصت أن أيضا أن تبقى الصورة التى على الشاشات فى دور السينما مغايرة تماما للصورة التى يراها الناس فى الشوارع وعلى شاشات التليفزيون
وبعد كل ذلك .. لا أظننى أجبت على عنوانى الذى كان سؤالا .. من المسئول عن خراب السينما فى مصر .. وأنا أحاول وأجتهد بحثا عن تلك الإجابة المناسبة والمقنعة قدر الإمكان .. وأعتقد أنهم كثيرون جدا هؤلاء المسئولون .. فى مقدمتهم أصحاب السينما أنفسهم الذين لا يدافعون عنها دفاع عاشق عن حبيبته أو فارس عن أميرته أو موظف عن وظيفته أو حالم عن حقه فى تحقيق ما يحلم به .. هم أيضا لا ينوون التغير ..
تحس أنهم طيبون وسذج للغاية وسيبقون جالسين القرفصاء أمام قاعاتهم الخالية فى انتظار أن تهدأ الأمور ليأتى الناس بحكم العادة أو الملل للفرجة على ضحكة لعادل إمام أو حلمى أو مكى أو هنيدى ولقطات ساخنة للسقا أو أحمد عز أو كريم عبد العزيز .. والكارثة الأخرى كانت الغاء مهرجان القاهرة السينمائى لهذا العام .. شهادة رسمية من الدولة ومسئولى ثقافتها بأن السينما نشاط ثانوى هزيل وتافه يمكن أو يجب الغاؤه عند الجد أو وقت مناقشة القضايا الهامة والخطيرة .. وتزامن ذلك مع تيار دينى متطرف يدعو إلى تحريم السينما أصلا هى وكل الفنون .. والصحفيون ـ وأنا واحد منهم ـ مسئولون أيضا .. لأننا نحن الذين صورنا لجموع الناس أن السينما هى مجرد حواديت وساقة عارية هنا أو مشهد مثير هناك .. ولم ننجح فى إقناع الناس بأن السينما حقيقة .. وقضية .. ورسالة .. وحياة




20 مايو 2011 2:36 ص
انتبهوا أيها السادة..
القضية أكثر من خطيرة ومصر بلا سينما كلبنان بلا صحافة وإعلام