سيد محمود يكتب: مليكة المزين والمسجد و"شيء من الخوف"
قبل أيام أتى والدي الذي بلغ من العمر السابعة والسبعين لزيارتي في القاهرة قادما من الصعيد، من بلد كادت الفتنة الطائفية والإرهاب أن يفتكان به وهي أسيوط حيث كانت شوارعها في الثمانينات تتألم من كثرة ما تراه من ضربات موجعة.
أدهشته نبرة الحزن التي أتحدث بها من كثرة مشاهداتي ومتابعاتي لما يحدث في هذا الوطن، وعلى الفور بادرني بكلمة بمفرداته الصعيدية "يا ابني دي سحابة وهتعدي.. فاكر "مليكة" "المزين" قلت أه المسيحي الذي عاش في كل بيت وأكل وشرب مع كل مسلم، فقاطعني وقال وأول واحد دفع لبناء مسجد العيلة عندما غيرنا مكان المسجد القديم.
من هذا الحوار العفوي مع والدي بدأت أشعر بأن الأمور ستتغير، وأن ما يحدث حاليا لن يستمر طويلا، فسارعت لأفتح صفحتي بالفيس بوك وأكتب لزميلتي في الأهرام مريم عاطف التي كانت قد وضعت صورة حزينة لها على صفحتها وأرجوها أن تغيرها لأن الحياة تحتاج منا إلى قدر من التفاؤل.
قد يظن البعض أن ما أكتبه هو مجرد انطباعات، وأنا أقول لكل من يقرأ هذه السطور "لا يا صديقي هي ليست مجرد انطباعات، هي حالة يجب أن نفهمها وأن نتأملها ونتعايش معها وأن نخرج من هذا الطوفان من المواقف والأحداث التي أصابتنا بالغم، فلن نستطع أن نعيش يوما واحدا سعداء بثورة الشباب الطاهر، فكل يوم يصدر فيه حكم على مفتري وفاسد ولص نحسب الساعات بل واللحظات ونراقب كل الاتجاهات لمعرفة أي منها ستأتي منه الضربة لقلب الوطن.
هل ستأتي من الثورة المضادة أم من فلول النظام أم من البلطجية، وإلى من ستوجه إلى قسم شرطة أم إلى مبنى حكومي وكل هذا لا يهم قدر أن توجه ضرباتهم إلى قلب مسجد أو كنيسة، إلى قلب شعب يريد أن يضمد جراحه.
قبل الثورة كانت الرؤى ضبابية والوطن شاحبا مثل رجل كهل عاش عمره يحلم بأن ترتفع المياه إلى قطعة أرض على تل يملكها ويريد يوما أن يزرع بها بذور حب، ماتت الأرض وتشققت في مشهد هو أشبه بصورة الأرض التي أرادت شادية أن ترويها في فيلم "شىء من الخوف" للمخرج الراحل حسين كمال والمشهد للأرض وقد تشققت والماء يجرى محاولا أن يختبئ بين شقوقها.
مصر كانت قد تشققت وأصبحت جرداء وعندما فتح ثوارها صنبور الحرية عز على من أفسدوا أن يرونها خضراء فحاولوا أن يقطعوا شرايينها التي تتواصل ما بين مسلم ومسيحي.
البابا شنودة أوصى بأن ينهي الأخوة الأقباط اعتصامهم أمام ماسبيرو، وهو نداء أتمنى أن يسمع له الجميع كي تعود المياه لتروي هذه الأرض من جديد، ونعمل على قطع أيدي المفسدين ليبدأ الوطن.. رحم الله "مليكة" وحسين كمال.
sydsallam@yahoo.com



