سلامة عبد الحميد يكتب: الشعب يريد تحقيق الوعود
بات نشيد "اسلمي يا مصر" واقعا أعيشه يوما بعد يوم بعدما كان يباغتني مرة أو مرات محدودة خلال العام عندما يشهد الوطن كارثة أو عندما نحتفل بمناسبة وطنية لها علاقة بالعسكرية المصرية.
منذ اليوم الأول للثورة وأنا أردد النشيد، هو نشيدنا الوطني القديم قبل "بلادي بلادي" وفيه من المعاني ما يحفز النفوس وكم أبدع كاتبه الراحل مصطفى صادق الرافعي عندما ضمنه تلك المعاني، وكم أبدع ملحنه الراحل صفر علي عندما قدمه لنا كأنشودة مغناة بهذا الأسلوب الحماسي.
عشرات المرات التي رددت فيها النشيد منذ 25 يناير الماضي خوفا على بلادي من الفاسدين والطغاة، وأحيانا من أبناءها الذين أشرف بالإنتماء إليهم والذين ياخذهم الحماس أحيانا حد الخطأ، ويعتريهم اليأس أحيانا حد الخطأ.
كثيرة هي أخطاءنا في حق أنفسنا فقد تركنا بلادنا فريسة لمجموعة من اللصوص لسنوات طوال حتى أفسدوا معظم ما فيها وكادوا أن يهزموا روح التحدي التي بقيت وحدها لدى شعبها الذي ثار أخيرا باحثا عن الحرية والكرامة.
يخطأ من يظن أن مصر يمكن أن تعود مجددا إلى الخلف، ويقع في الخطيئة من يظن نفسه قادرا على جر المصريين إلى الخلف، أيا كانت قدرته أو مقومات خطابه، فالشعب الذي انتفض لن يسمح لكائن من كان أن يعيده إلى الوراء ولن يقبل بالاستعباد أو الاستحمار مجددا.
مرت علي وعلى معظم من أعرفهم ليلة أمس طويلة ثقيلة وأنا أشهد واقعة دامية جديدة للمعتصمين أمام ماسبيرو، مر بي شريط ذكريات الثورة سريعا بدءا من 28 يناير على كوبري قصر النيل وصولا إلى التحرير، مرورا بأيام وليالي التحرير العصيبة وخاصة 2 فبراير و10 فبراير ثم 9 مارس و9 أبريل وصولا إلى واقعتي منشية ناصر وإمبابة.
يالهذه الثورة ويالهؤلاء الثوار، كم هي فخورة بهم تلك البلاد وكم هم جديرون بحمل جنسيتها والعيش على أرضها، ويالهؤلاء الفاسدين والقتلة، كم هم حقراء أذلة لا يستحقون مجرد نسمة الهواء المصرية التي يتنفسونها الأن.
تعلمت من أحداث الثورة المصرية أن كل كارثة تزيد المصريين اصرارا وقوة وتزيد الثورة عنفوانا وفاعلية، لا أستكين أبدا لحالات اليأس التي يحاول البعض بثها في نفسي، ولا أقبل أبدا عمليات الترهيب التي يمارسها البعض ضدي لتغيير قناعاتي.
لقد عشنا أياما أسوأ وأخطر من تلك التي تعرض فيها بالأمس البلطجية للمعتصمين في ماسبيرو، وخرجنا منها أقوى وأصلب وتعلمنا دروسا لم يكن بمقدورنا تعلمها دون تلك الأيام السوداء.
لكن الغريب أن هؤلاء القتلة لم يتعلموا الدرس بعد، لم يدركوا أن المصري الذي ثار ضد جيش حبيب العادلي وسيده مبارك لن ترهبه تلك الذيول من البلطجية، ولن تخدعه وسائل الإعلام المتلونة، ولن يصدق وعودا طالما سمعها لسنوات مضت حتى وإن كان من يطلقها موثوقا فيه.
الشعب لا يريد المزيد من الوعود، الشعب يريد تحقيق الوعود.
وفي البداية والنهاية:
اسلمي يا مصر إنني الفدا
ذي يدي إن مدت الدنيا يدًا
أبدًا لن تستكيني أبدًا
إنني أرجو مع اليوم غدًا
ومعي قلبي وعزمي للجهاد
ولقلبي أنتِ بعد الدين دين
لكِ يا مصر السلامة
وسلامًا يا بلادي
إن رمى الدهر سهامه
أتقيها بفؤادي
واسلمي في كل حين



