مقالات > باسم صلاح يكتب -عفوا أيها الهدهد .. نحن بشر !!

كتب إدارة التحرير
20 أغسطس 2017 11:27 ص
-

باسم صلاح يكتب -عفوا أيها الهدهد .. نحن بشر !!

  إن اللغة ذات الحروف هي الناقل الصوتي لمضمون الرسالة بين المرسل والمستقبل وغالبا ماتكون بين البشر إلا في حالات غيبية نادرة ورد ذكرها في القرآن الكريم وبالنظر للنموذج الذي أضعه بين أيديكم الآن فإن المستقبل (المتلقي ) هو سيدنا سليمان عليه السلام وهو الرسول الملك الذي ابتهل إلي الله أن يهبه ملكا لاينبغي لأحد من بعده فكان له ما أراد ومن تفاصيل هذا الملك العظيم هو أنه أصبح قادرا علي سماع ومخاطبة غير البشر !! إن اللغة المفهومة هنا ( علي غير المعتاد ) باتت تشكل وسيلة تواصل بين إنسان وكائن حي ( غير بشري ) وليس هذا هو لب الموضوع وإنما وجب علينا الغوص لمضامين الحوار والرسالة بين المرسل والمستقبل ' ولننتقل للمشهد الذي أراه درسا أساسيا في علم الإعلام بشكل عام وأساس هام للكتابة الخبرية الصحيحة والتحقق من الخبر بشكل لايقبل الجدل ' فها هو الملك النبي سليمان يكتشف غياب ( الهدهد ) فيتوعده بالعذاب الشديد الذي قد يصل لمرحلة الذبح إن لم يأته بسبب قوي ومقنع لهذا الغياب . إذن فالهدهد هنا قد أصبح في مأزق صعب نتيجة تغيبه عن مكانه ومكانته اللتين من الواجب أن يكون عليهما ضمن منظومة الطير المعتادة ' إنها أولي قواعد الانضباط الحياتي وهي أن تكون دائما بالمكان والمكانة الواجبتين والمنوطتين بك ولكن كانت المفاجأة هنا لسيدنا سليمان نفسه!! ولننظر للخطاب اللغوي والنقل التليفزيوني الواضح والصريح في سرد الآيات .. (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(25) ( إن الفاء في اللغة العربية تفيد( الترتيب والتعقيب فيما يسمي بالعطف السريع دون الإشراك ) إذن فإن نقل الخبر لابد أن يخلو من مقدمات التعظيم والتفخيم للمخاطب أيا كان شأنه رغبة في الإسراع بنقل المضمون دون مقدمات سردية لا طائل منها ( فقال أحطت بما لم تحط به ) !! الفاء العطفية هنا دلالة الإسراع في نقل الخبر ولكن هل تلاحظون العنوان الجاذب للمستمع ؟! فعلي الرغم من أنك ملك نبي وقد وهبك الله كل هذا الملك إلا أنني قد أحطت بما لم تحط أنت به !! وهنا وبعد لفت الانتباه لم يعد هناك حاجة لاستخدام الفاء العاطفة فكان استخدام الواو أوقع ( وجئتك من سبأ بنبأ يقين ) . إذن فلابد للخبر أن يكون يقينيا لايقبل الشك ولا الجدل ' ووصف النبأ بأنه يقين يعطينا درسا حقيقيا في التثبت من الخبر قبل نقله للمتلقي بكل الطرق التي تجعل الناقل مطمئن البال والنفس تجاه ما ينقله !! ثم تأتي مرحلة تفاصيل الخبر واختيار مفرداتك التي تسوق بها الخبر لتكون دالة دلالة حقيقية عن مضمون الخبر !! إن لفت نظر المتلقي يعتمد علي كينونته وطبيعة تركيبته الشخصية خاصة إن كان نبيا وملكا عظيما أتاه الله ملكا ذا طبيعة خاصة فكان من ذكاء هذا الهدهد أن ركز في صياغته الخبرية علي (عرش ) تلك المرأة وهو يعلم تمام العلم أن هذه التفصيلة بالذات سوف تثير حفيظة الملك سليمان أضف إلي هذا أن طبيعة الخبر تحمل نوعا من الدهشة في حد ذاتها من هؤلاء القوم الذين يعبدون الشمس من دون الله . إن الهدهد (الصحفي المحترف ) بعد أن تفنن في صياغة الخبر بدقة متناهية تصل لاختيار الحروف قبل الكلمات لم يترك للملك سليمان التعليق فتولي هو بنفسه التعليق والتحليل والاستنتاج !! فلطالما كان الخبر يقينيا لا يحتمل الشك فإن عملية التحليل والاستنتاج لابد وأن تصل بك إلي مدلولات حقيقية لا تقبل الجدل ) ( أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(25) إن هذا الهدهد الصحفي المجتهد واللغوي البارع والمدقق الرشيق قد أعطانا درسا في الإعلام لم نع منه إلا الترديد البغبغاني ولم نلتفت إلي مهاراته الصحفية طوال الوقت ولطالما نسمع تلك الآيات الكريمة ونبتسم معلقين بأن هذا الهدهد كان من الجرأة والشجاعة أن واجه الملك سليمان وحدثه حديثا مباشرا دون تودد ومحاباة !! كلنا اندهش من جرأة الهدهد مع سليمان نتيجة لحالة القمع المتأصلة في تركيبتنا البشرية الخانعة وتأليهنا لمن يحكمنا' ولم نلتفت يوما لمضمون رسالة هذا الهدهد الذي ينظر إلينا يوميا بعيونه الصغيرة من خلال تلك الآيات وهو في حالة امتعاض من تجاهلنا لما أراد أن يعلمنا إياه من مبادئ أساسية لكيفية التعامل الإعلامي الصحيح مع الخبر وصياغته وحرفيته التي يجب أن نتعلمها جميعا . عفوا أيها الهدهد ....نحن بشر !!


اصدقاؤك يفضلون